أخنوش يودّع السلطة بالدموع في مؤتمر بلا مفاجآت

انطلقت أشغال المؤتمر الوطني الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار بمدينة الجديدة، في مشهد بدا، بالنسبة لعدد من المتابعين، أقرب إلى مسرحية سياسية محبوكة التفاصيل منه إلى محطة ديمقراطية حقيقية. فكل ما جرى، منذ الإعلان عن المؤتمر إلى لحظة فتح أشغاله، كان يوحي بأن النتائج محسومة سلفاً، وأن الحزب لا يعيش انتقالاً طبيعياً في القيادة بين أخنوش وخليفة منتخب، بل تنفيذ سيناريو أُعدّ بعناية من جهات تتحكم فعلياً في مفاصله.

رسمياً، قُدّم المؤتمر باعتباره مناسبة لانتخاب رئيس جديد للحزب خلفاً لعزيز أخنوش، الذي أعلن عدم ترشحه لولاية ثالثة. غير أن السياق العام، وطريقة التدبير، وحصر الترشيحات في اسم واحد، جعلت من هذا “الانتخاب” مجرد إجراء شكلي يضفي شرعية تنظيمية على قرار اتُّخذ خارج قاعة المؤتمر بزمن طويل.

ترشيح محمد شوكي كخيلفة لولي نعمته أخنوش، باعتباره الاسم الوحيد الذي وُضع أمام المؤتمرين، لا يُقرأ في هذا السياق كخيار سياسي نابع من تنافس داخلي، بل كتخريجة تنظيمية لتفادي الفراغ، والحفاظ على توازنات معينة داخل الحزب، دون السماح بفتح نقاش حقيقي حول القيادة أو المرحلة المقبلة. فحين يُغلق باب الترشيح عملياً، ويُقدَّم للمؤتمر خيار واحد، تنتفي السياسة، ويبقى الإخراج فقط.

في قلب هذا الإخراج، يبرز اسم راشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب والقيادي البارز في الحزب، الذي يُنظر إليه من طرف متابعين كـ”المهندس” الفعلي لهذا الانتقال المحسوب. فدوره لم يقتصر على رئاسة اللجنة التحضيرية أو إعلان اكتمال النصاب، بل تجاوزه إلى ضمان سير المؤتمر وفق خريطة طريق لا تسمح بأي مفاجآت، ولا تفتح الباب أمام أي انزلاق غير محسوب.

أما عزيز أخنوش، الذي قُدّم خروجه على أنه قرار طوعي واحترام للديمقراطية الداخلية، فإن كثيرين يرون في مغادرته طابعاً قسرياً أكثر منه اختياراً شخصياً. ظهوره في المؤتمر متأثراً، وهو يذرف الدموع، لم يُقرأ فقط كمشهد إنساني عابر، بل كدلالة رمزية على صعوبة تقبّل الإزاحة من موقع السلطة، ومن الكرسي الذي مثّل لسنوات مركز ثقل سياسي واقتصادي راكم من خلاله نفوذاً وثروة لا تزال آثارها حاضرة.

ففي الحياة السياسية، نادراً ما يبكي من يغادر طواعية. الدموع، في نظر مراقبين، كانت تعبيراً عن نهاية مرحلة فُرضت نهايتها، وعن فقدان سلطة لم يكن الانفصال عنها سهلاً، خاصة حين تكون السياسة مدخلاً للنفوذ والاغتناء، لا مجرد خدمة عمومية.

المؤتمر، في صورته هذه، لم يقدّم لحظة محاسبة، ولا نقاشاً حول حصيلة او مالية الحزب، ولا مراجعة لمساره أو علاقته بالمجتمع. بل اكتفى بتمديد هياكله، والمصادقة على بيان ختامي مُعدّ سلفاً، وتكريس انتقال ناعم في الواجهة، مع الحفاظ على مراكز القرار الحقيقية في الخلف.

ما جرى في الجديدة يعزز الانطباع السائد بأن عدداً من الأحزاب الكبرى لم تعد تُدار بمنطق التنظيمات السياسية، بل بمنطق الشركات، حيث تُتخذ القرارات في دوائر ضيقة، ويُستدعى “المؤتمر” فقط للمصادقة والتصفيق. وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن ديمقراطية داخلية مجرد شعار، بينما الواقع يقول إن التحكم، لا الاختيار، هو من يحدد من يجلس على الكرسي ومن يُطلب منه أن يغادره.

شاهد أيضاً

الـ”PPS” يدعو لتفعيل التأمين عن الكوارث الطبيعية في المناطق المتضررة من الفيضانات

انتقد حزب التقدم والاشتراكية أداء الحكومة خلال الدورة البرلمانية المنصرمة، معربا عن استيائه من ما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *