كشفت التساقطات المطرية القوية التي شهدها المغرب، مؤخرا، عن عمق الاختلالات البنيوية التي تعاني منها عدد من المناطق القروية والحضرية بالمغرب، حيث تحولت أمطار يفترض أن تشكل بشائر خير إلى مصدر معاناة يومية لآلاف المواطنين، وفي مقدمتهم ساكنة جماعة بني ليث التابعة لقيادة بني حسان بإقليم تطوان، بعد انقطاع التيار الكهربائي عن عشرات الدواوير منذ مساء يوم الثلاثاء الماضي، واستمرار هذا الانقطاع إلى حدود مساء أول أمس الأربعاء، في مشهد يعكس هشاشة البنيات التحتية وضعف الجاهزية أمام التقلبات المناخية المتزايدة.
الانقطاع المفاجئ والطويل للكهرباء لم يكن حدثا معزولا، بل جاء متزامنا مع تساقطات مطرية وصفت بالقوية جدا، تسببت في فيضانات محلية وغمر عدد من القناطر والمسالك الطرقية، وشلت حركة السير بعدة مقاطع داخل النفوذ الترابي للجماعة، ما أدى إلى تعميق عزلة دواوير بأكملها، وتحويل حياة السكان إلى معاناة مضاعفة في ظل غياب الكهرباء وصعوبة التنقل وانعدام حلول بديلة.
ساكنة المنطقة وجدت نفسها في مواجهة وضع معقد، حيث تأثرت الحياة اليومية بشكل مباشر، خصوصا بالنسبة للمرضى وكبار السن ومستعملي التجهيزات الكهربائية الضرورية، سواء المرتبطة بالعلاج أو بحفظ الأدوية أو حتى بتأمين الحد الأدنى من شروط العيش الكريم فغياب التيار الكهربائي في العالم القروي لا يعني فقط انطفاء المصابيح، بل يعني توقف وسائل التواصل، وتعطل ضخ المياه في بعض الحالات، وشللا شبه تام للنشاط اليومي، في ظل صمت الجهات المعنية وغياب تواصل فعال يبدد مخاوف الساكنة.
غير أن ما وقع بجماعة بني ليث لا يمكن فصله عن سياق وطني أوسع، حيث سجلت عدة مناطق بالمغرب أضرارا متفاوتة بفعل التساقطات المطرية الأخيرة، إذ شهدت أقاليم شفشاون ووزان والعرائش وضعيات مشابهة تمثلت في انقطاع الكهرباء، وانجراف التربة، وتضرر الطرق القروية، ما أدى إلى صعوبة الولوج إلى عدد من الدواوير كما عرفت بعض أحياء مدينة طنجة، خاصة المنخفضة منها، تجمعا كبيرا لمياه الأمطار وتعطلا مؤقتا لحركة السير، في وقت اشتكى فيه المواطنون من ضعف شبكات تصريف المياه.
وفي جهة فاس مكناس، تسببت الأمطار الغزيرة في غمر عدد من المسالك القروية بإقليمي صفرو وتاونات، وعزلت ساكنة مناطق جبلية لساعات طويلة، إضافة إلى تسجيل أضرار في بعض الشبكات الكهربائية والمائية. أما بجهة بني ملال خنيفرة، فقد أدت السيول إلى تضرر طرق غير مصنفة وجرف مقاطع حيوية، خصوصا بإقليمي أزيلال وخنيفرة، ما أعاد إلى الواجهة إشكالية هشاشة البنيات التحتية بالمناطق الجبلية.
كما لم تسلم بعض مناطق الجنوب الشرقي، مثل الرشيدية وتنغير، من آثار التساقطات، حيث أدت السيول إلى اضطراب حركة السير وتضرر منشآت مائية وقناطر، في سيناريو يتكرر كل موسم دون حلول جذرية تضع حدا للخسائر المتكررة.
وشهدت منطقة القصر الصغير بدورها أضرارا ملحوظة جراء التساقطات المطرية الأخيرة، حيث تسببت الأمطار الغزيرة في غمر عدد من الأزقة والمسالك، وتسجيل تجمعات مائية كبيرة أعاقت حركة السير وأثرت على تنقل السكان، خاصة في الأحياء القريبة من الوديان والمناطق المنخفضة، وألحقت السيول أضرارا ببعض البنيات التحتية الهشة، وفاقمت من معاناة الساكنة التي تعاني أصلا من محدودية شبكات تصريف مياه الأمطار وضعف الصيانة الدورية وقد أعادت هذه الوضعية إلى الواجهة مطالب متكررة بضرورة تأهيل البنية التحتية بالقصر الصغير، وتعزيز قنوات الصرف وتحصين المجال الحضري والطرق من مخاطر الفيضانات، في ظل تزايد حدة الظواهر المناخية وتأثيرها المباشر على الاستقرار اليومي للسكان.
وتزداد حدة الانتقادات عندما يتعلق الأمر بطريقة تدبير هذه الأزمات المتكررة، إذ تشير شهادات من الساكنة، سواء ببني ليث أو بمناطق أخرى، إلى غياب أي تواصل واضح من طرف الجهات المعنية، سواء الشركات الجهوية متعددة الخدمات أو السلطات المحلية، وهو ما خلق حالة من الاحتقان والاستياء، خاصة في ظل التأخر في التدخل وغياب حلول استعجالية تخفف من وقع الأضرار.
فحسب شهادتهم فإن هذا الواقع يبين بقوة عدم الجاهزية والاستباقية، خصوصا أن المغرب بات يشهد تغيرات مناخية واضحة، تتجلى في توالي فترات الجفاف من جهة، وتساقطات قوية ومركزة من جهة أخرى، ما يستدعي إعادة النظر في طرق التخطيط والبناء وصيانة الشبكات.
وتؤكد فعاليات محلية وجمعوية في تصريحها لجريدة “بيان اليوم”، أن ما يحدث يعكس ضعف الاستثمار في الصيانة الدورية، وتقادم الشبكات، وغياب رؤية متكاملة تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات المجال القروي والمناطق الجبلية كما تثار تساؤلات حول مدى التزام الجهات المفوض لها تدبير الخدمات العمومية بدفاتر التحملات، وحول نجاعة آليات المراقبة والمحاسبة في حال تكرار الأعطاب نفسها دون معالجة جذرية.
وفي ظل هذه الأوضاع، تتعالى الأصوات المطالبة ليس فقط بالتدخل العاجل لإصلاح الأعطاب وإعادة الخدمات الأساسية، ولكن أيضا بوضع تصور استراتيجي طويل الأمد يقوم على تأهيل شامل للبنيات التحتية، وتعزيز شبكات الكهرباء والماء والتطهير، وتبني مقاربة استباقية تجعل من حماية المواطنين وتقليص الخسائر أولوية قصوى.
وتؤكد هذه الأصوات أن ما شهدته جماعة بني ليث، وما عرفته مناطق أخرى من شمال ووسط وجنوب المغرب، يعكس مرة أخرى الفجوة القائمة بين الخطاب الرسمي حول التنمية المجالية والواقع المعاش، حيث لا تزال فئات واسعة من المواطنين تؤدي ثمن التأخر في الإصلاح، وضعف الحكامة، وغياب التنسيق بين المتدخلين، في وقت أصبحت فيه التقلبات المناخية اختبارا حقيقيا لمدى جاهزية المؤسسات وقدرتها على حماية أبسط حقوق المواطن، وفي مقدمتها الحق في العيش الكريم والأمن الخدمي.