إن عدم الإسراع في إعلان آسفي منطقة منكوبة يطرح سؤالًا سياسيًا وقانونيًا في آن واحد، هل تخشى الحكومة الكلفة المالية للاعتراف بالكارثة؟ أم أن منطق “التدبير الإداري البيروقراطي” ما يزال يستعمل في وضع استثنائي؟ في الحالتين، تبقى الضحية واحدة: المواطن.
فالكوارث لا تُقاس فقط بعدد الضحايا، بل أيضًا بقدرة المؤسسات على التفاعل الفوري والقدرة على تسريع التدبير. وآسفي اليوم ليست في حاجة إلى بلاغات مطمئنة، ولا إلى تلاوة الفاتحة على أرواح الضحايا، ولا إلى كلمة تضامن من رئيس الحكومة تحت قبة البرلمان، ولا حتى إلى زيارة خاطفة لوالي الجهة أو عامل الإقليم على هوامش موقع الكارثة، بل هي في حاجة إلى قرار شجاع يعترف بأن ما وقع كارثة حقيقية.
قرار يعترف، كذلك، بأن المقاربة الاستباقية كانت غائبة، وأن التخطيط الحضري لم يعد يواكب راهنية الخطر، وأن غياب الصيانة الدورية للبنيات الهيدرولوجية ساهم في تعميق حجم الكارثة، وأن القانون وُجد ليُفعَّل ويُحتكم إليه، لا ليُركن في الرفوف ويُستدعى فقط في الخطب.
وادي الشعبة يخرج عن السيطرة
شهدت المدينة العتيقة بأسفي فيضانات غير مسبوقة، عشية يوم الأحد 14 دجنبر 2025، نتيجة تفاعل عدة عوامل، وفي طليعتها انزياح سيول وادي الشعبة عن مجراها التاريخي، إثر تساقطات مطرية لم تتجاوز 60 ملم خلال ساعتين تقريبًا.
انزاحت السيول عن مجراها الاصطناعي التحت أرضي على مستوى منطقة “أجنـان الفسيان”، لتشق طريقها مباشرة عبر الشارع، مرورًا بجوار حائط مقبرة المدينة العتيقة، في اتجاه أقواس باب الشعبة، المدخل الرئيسي للمدينة. هذا الانحراف أعاد تشكيل المسار المائي بشكل قسري، محوّلًا الدكاكين والمنازل في الشارع الرئيسي والأزقة الضيقة إلى مجاري طارئة للمياه، وهنا وقعت الكارثة، نتيجة المجرى الاصطناعي، الذي أُنشئ منذ الاستعمار، والذي لم تتم صيانته وتنقيته بانتظام، مما أدى إلى تراكم الشوائب والمخلفات الصلبة داخل القنوات، وبالتالي تضييق المقطع المائي وزيادة منسوب المياه، حتى مع تساقط مطري محدود ولمدة قصيرة، وهو ما كان من المفترض ألا يسبب كارثة بهذا الحجم.
كما ساهم انسداد وتضييق فتحة تصريف المياه المتاخمة بقرب أشغال ترميم قصر البحر، حيث تم تعطيل وظيفة الصمام الطبيعي للمجرى، مما أضعف قدرة تصريف فائض المياه إلى البحر وحشرها باتجاه المدينة العتيقة.
إضافة إلى ذلك، أدى غياب التنقية الدورية لقنوات تصريف المياه داخل قنوات الصرف الصحي بالمدينة، وتراكم الرواسب والشوائب فيها، إلى تفاقم أزمة الفيضانات، إذ فُقدت القدرة على تصريف المياه بسرعة، مما حول الشوارع والأزقة إلى مسارات طارئة للمياه وزاد من حجم الخسائر المادية والبشرية.
كما تبين انطلاقا من بعض الشهادات، أن هنالك احتمال عامل حركية المياه القادمة من “باراج” سيدي عبد الرحمان، التي ساهمت في رفع الحمولة المائية بوادي الشعبة، خصوصًا في تزامنها مع التساقطات المطرية، مما تجاوز الطاقة الاستيعابية للمجرى الاصطناعي داخل المدينة. هذا الضغط الهيدرولوجي المفاجئ قد يكون عجّل بانزياح المياه عن مجراها التاريخي، خاصة في ظل انسداد القنوات وغياب الصيانة الدورية. وعليه، فإن الفيضانات لم تكن نتيجة الأمطار وحدها، بل حصيلة تراكب تدبير مائي غير منسق وبنية تصريف حضرية متقادمة وغير مهيأة لسيناريوهات الخطر المركّب.
المدينة العتيقة ليست حيًّا عشوائيًا… لكنها ضحية تدابير مهملة
الأحياء التي غمرتها مياه وادي الشعبة تقع داخل الأسوار التاريخية للمدينة العتيقة، وليست أحياء صفيح أو توسعات عشوائية. المدينة العتيقة قائمة قبل أن تُسن معظم قوانين التعمير، وقبل أن تصنع الإدارة مفردة “الهشاشة” وحتى قبل أن تسن شركات متعددة الخدمات رسومها على المواطنين .
ما حدث ليس عقابًا لسكان “بنوا في مجرى وادٍ”، بل نتيجة مجرى اصطناعي أُنشئ منذ الحقبة الاستعمارية ثم تُرك عهد الاستقلال والتدبير الجماعي والشركات المتعددة الخدمات دون صيانة حقيقية، وبالتالي تقديم خدمة بسيطة لساكنة بحجم أسفي. أضف إلى ذلك حمولة مائية استثنائية، وانسداد فتحة تصريف المياه المحايدة نحو قصر البحر خلال أشغال الترميم… المحصلة غرق المدينة القديمة في معظمها وغرقى موتى بالعشرات.
الماء لم يتمرد… وادي الشعبة لم يظهر فجأة، ولم يغيّر مجراه بين ليلة وضحاها. الجديد الوحيد هو أن الجهات المسؤولة قررت التعامل معه بمنطق الذاكرة القصيرة لا صيانة، لا تنقية، لا تقييم للمخاطر، وحين تقع الكارثة، تبدأ الزيارات، ثم تتواتر الصور، البلاغات المطمئنة، وعبارات من قبيل .. “سنتكفل بمراسيم دفن الموتى”…
شباب المدينة القديمة خط الدفاع الأول
في خضم الفيضانات الجارفة، برز شباب المدينة القديمة كخط الدفاع الأول أمام المياه المتدفقة. فقد بادروا فور انزياح الوادي عن مجراه إلى مساعدة الجيران والعائلات، كانت هذه العمليات الأولى للإنقاذ حاسمة في تقليل الخسائر البشرية، خصوصًا أن سرعة الفيضانات تجاوزت قدرة الأجهزة الرسمية على التدخل في البداية. وبهذا، أثبت شباب المدينة أنهم يمثلون صمام أمان مجتمعيًا، في غياب أي تواصل حقيقي أو تدخل فوري من السلطات بشهادة الساكنة نفسها . غير أن هذه التضحيات لم تمر دون ثمن، إذ أودت مساهمات بعض الشباب في عمليات الإنقاذ بحياتهم، نتيجة الصعق الكهربائي، أو تلقي ضربات قاتلة من بعض السيارات الجانحة كما هو الحال بالنسبة للشابين مراد وعلي، اللذين قضيا أثناء محاولتهما إنقاذ الآخرين، إلى جانب ضحايا آخرين سقطوا في صمت، وهم يؤدون واجبًا إنسانيًا راقيا.
غياب التواصل المؤسساتي ومظاهر الارتباك الإداري
أظهرت الفيضانات ارتباكا واضحا في التعامل مع الأزمة وضعفًا جليا في التواصل المؤسساتي. حتى اللحظة، لم تُصرح أي جهة رسمية بحجم الخسائر البشرية الحقيقية بشكل مسترسل، فيما تبقى الخسائر المادية غير محسوبة بدقة، والتي يرجح كثيرون أنها تضم عشرات الدكاكين والمخازن ومن ضمنها محلات حرفيي بيع المجوهرات الذهبية. وهو ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول جدية القطاعات الحكومية في إدارة الكارثة وتحمل مسؤولياتها .
على صعيد المتابعة الميدانية، اقتصرت تحركات المسؤولين على زيارات هامشية من طرف والي جهة مراكش-أسفي وعامل الإقليم، دون أن ترافقها أي مبادرات تواصل حقيقية مع المتضررين أو تقييم دقيق للاحتياجات باستثناء زيارة يتيمة لبعض المتضررين بمستشفى المدينة. كما لم يتم تنظيم أي تواصل دوري مع وسائل الإعلام لتوضيح الإجراءات والتدابير والخطوات المتخذة قبل وبعد الكارثة، سوى اجتماع واحد في عمالة الإقليم ترأسه والي الجهة بحضور رئيس الجهة، والذي لم تُعرف مخرجاته ولا ترتيباته لما بعد الأزمة.
هذا الغياب للتواصل المباشر والميداني، إلى جانب غياب المعلومات المستمرة، يعكس نقصًا في المقاربة التواصلية وكذا التدابير الاستباقية وحتى البعدية، مما زاد من شعور المواطنين بأنهم في مواجهة الكارثة وحدهم، حيث بقيت الإجراءات الرسمية شكليّة وغير فعالة على أرض الواقع.
منكوبو أسفي.. ضحايا كارثة أم مجرد أرقام وملفات مؤجلة؟
نتساءل هل إعلان أحياء آسفي داخل أسوار المدينة العتيقة منطقة منكوبة مسألة تقنية أم قانونية فقط، أم أنه قرار نفسي وإعلامي أولًا؟ يبدو أن الحكومة تنتظر هدوء الرأي العام، نسيان الصور، وإعادة ترتيب الكلمات قبل الإعلان أو استكمال الٱجال القانونية .
لكن القانون رقم 110.14 واضح حين تكون هناك خسائر بشرية ومادية جسيمة، وحين تتجاوز الكارثة قدرات التدبير العادي، يجب إعلان الواقعة الكارثية وتفعيل التعويض عبر صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية. وكل تأخير في هذا الإعلان ليس حيادًا، بل تأجيل متعمد لجبر الضرر وتحويل الضحايا إلى مجرد أرقام وملفات مؤجلة.
حزب التقدم والاشتراكية يطالب الحكومة بإعلان الكارثة وتحمل المسؤولية
وسط هذا الصمت، جاء الترافع البرلماني لكسر العزلة فقد وجهت نادية تهامي، النائبة عن حزب التقدم والاشتراكية، سؤالًا كتابيًا صريحًا إلى رئيس الحكومة، طالبت فيه بإعلان المدينة معنية بواقعة كارثية، وتفعيل التعويض، وإحصاء الضحايا والمتضررين، بمن فيهم التجار الذين انهارت محلاتهم، سؤال لا يطلب المستحيل، بل يطالب بتطبيق القانون، وهو في حد ذاته إدانة لمنطق التدبير الذي يعتبر الكارثة حدثًا إعلاميًا لا واقعة قانونية.
خلاصة القول، آسفي لا تحتاج مزيدًا من عبارات التعاطف، ولا إلى قفف موسمية في عز الشتاء. ما تحتاجه هو انتقال الحكومة من منطق “نحن معكم” إلى منطق “هذا حقكم”.
فالمدينة العتيقة، التي غمرها الماء، تطالب بشيء بسيط.. أن يُعترف بما وقع ككارثة، أن تتحمل الحكومة مسؤوليتها، أن يُعوَّض المتضررون، وأن يتم ترتيب المسؤوليات والإقرار بالحقوق.
الماء كشف الحقيقة… فماذا ستقول الحكومة؟
في آسفي، لم يكتب الماء بيانًا، لكنه كشف المستور، الحقيقة الغائبة أن الخطر ليس في السيول، ولا في كمية الأمطار بل في إدارة الكارثة الحقيقية التي ليست في الفيضان، بل في التردد في تسمية الوقائع. إما أن تُعلن المدينة العتيقة منطقة منكوبة وتتحمل الحكومة مسؤولياتها كاملة، وإما أن ننتظر الفيضان القادم.. مع بيان تضامني أكثر بلاغة وذاكرة أقصر…