رغم التحذيرات المتكررة من خطر استنزاف الموارد المائية في الجنوب الشرقي، تكشف بيانات دولية جديدة أن المغرب بات اليوم واحدًا من أكبر مصدّري البطيخ في العالم، في مفارقة تعيد إحياء الجدل حول تكلفة هذا المحصول على الأمن المائي، خصوصًا في مناطق هشة مثل زاكورة. فقد أظهرت معطيات نشرها موقع متخصص في تتبع حركة التصدير عبر العالم أن المغرب حلّ في المرتبة السادسة عالميًا ضمن أكبر الدول المصدّرة للبطيخ، بقيمة تجاوزت 109 ملايين دولار سنويًا، ليكون الممثل العربي الوحيد في قائمة تهيمن عليها إسبانيا والمكسيك وإيطاليا والولايات المتحدة وهولندا.
وتسلط هذه الأرقام الضوء على الوجه الآخر لقطاع يعرف طلبًا متصاعدًا في الأسواق الدولية، في وقت تنبه فيه تقارير محلية ودولية إلى أن الاندفاع نحو زراعة “الدلاح” كان له ثمن ثقيل على مناطق تعاني أصلًا من ندرة المياه. فزراعة البطيخ التي توسعت في السنوات الأخيرة اعتمادًا على أنظمة الري الحديثة والصوب الزراعية، حولت المحصول من فاكهة صيفية موسمية إلى سلعة متوفرة طوال العام، وهو ما ضاعف جاذبيته التجارية ورفعه إلى مقدمة الصادرات الفلاحية الموسمية.
لكن خلف هذا الصعود الاقتصادي تبرز أزمة بيئية متفاقمة في الجنوب الشرقي، حيث ظلّ إقليم زاكورة نموذجًا صارخًا لاختلالات هذا التوسع. فقد نبّهت تقارير بحثية منذ سنوات إلى أن زراعة البطيخ الأحمر تستنزف ملايين الأمتار المكعبة من المياه الجوفية سنويًا، بما يتجاوز بكثير قدرة الفرشة المائية على التجدد.
وخلص تقرير صادر عن معهد “هنريش بول” سنة 2023 إلى أن التحول نحو زراعة الدلاح لأجل السوق الدولية جاء على حساب استدامة المورد المائي، محذرًا من أن الفلاحين انخرطوا في مغامرة اقتصادية لا يملكون فيها الكلمة الفصل، نظرا لهيمنة شركات كبرى على التوزيع والتصدير.
وفي 2024 عادت تقارير ميدانية لتؤكد خطورة الوضع، مشيرة إلى أن زراعة البطيخ تحولت فعليًا إلى آفة تنخر الأمن المائي بالإقليم، وأن تصدير المحصول يعني عمليًا تصدير المياه الجوفية نفسها. شهادات مواطنين وخبراء بيئيين تحدثت حينها عن “موت بطيء” للموارد المائية، فيما أقرت السلطات المحلية بضرورة اتخاذ إجراءات أكثر صرامة، أبرزها تقليص المساحات المزروعة وإخضاع عمليات الضخ لرقابة حازمة، مع فرض غرامات على التجاوزات وتشجيع محاصيل أقل استهلاكًا للمياه.
وعمّق تقرير صدر العام الماضي عن المعهد المغربي لتحليل السياسات هذا التشخيص، حين كشف أن مخطط المغرب الأخضر، ثمّ استراتيجية الجيل الأخضر، سهّلا عبر الدعم المالي وتقنيات الري بالتنقيط الوصول إلى المياه الجوفية، ما أدى إلى قفزة هائلة في المساحات المزروعة بالدلاح، بلغت خلال عقد واحد انتقالًا من هكتارين فقط سنة 2007 إلى عشرين ألف هكتار بحلول 2017. ونتيجة هذا التوسع، ارتفعت السحوبات المائية من خمسة ملايين متر مكعب سنة 2014 إلى أكثر من 12 مليونًا سنة 2017، في منطقة تعتمد أساسًا على الفرشة الجوفية لتأمين مياه الشرب منذ ثمانينيات القرن الماضي.
ومع تراجع التساقطات ووصول أعماق الآبار إلى مستويات قياسية بلغت 200 متر في بعض المناطق، باتت زاكورة تعيش على وقع أزمة مائية خانقة، من مظاهرها جفاف أربعة آبار من أصل أحد عشر بئرًا تستعملها المدينة، وانخفاض القدرة الإنتاجية للمياه الجوفية من 1.8 مليون متر مكعب سنة 2005 إلى 700 ألف متر مكعب في 2018. وضع أدى إلى اعتماد قرى عديدة على الصهاريج، وتراجع كبير في بساتين النخيل، وفقدان مصادر رزق غالبية الفلاحين الذين يمثلون 80% من سكان الإقليم.
وبينما يحتفي المغرب دوليًا بموقعه المتقدم في تصدير البطيخ، يستمر النقاش الداخلي حول كلفة هذا المحصول على الأمن المائي، خصوصًا في ظل توقعات بمزيد من الجفاف وتراجع الموارد في السنوات المقبلة. ويرى خبراء أن الحل لن يكون اقتصاديًا فقط، بل يستدعي إعادة النظر في النموذج الفلاحي برمّته، وتوجيه الدعم نحو زراعات أقل استهلاكًا للماء، وربط التصدير بقدرة المناطق على تحمل الضغط المائي، بدل ترك السوق وحده يحدد مصير موارد حيوية تواجه خطر النضوب.
24 Maroc News