لم تكن الفيضانات المفاجئة التي ضربت أخيرًا مدنًا ومناطق متفرقة من المغرب، من بينها آسفي والراشيدية وأقاليم أخرى، حدثًا معزولًا أو طارئًا خارج كل التوقعات، بقدر ما أعادت إلى الواجهة تحذيرات علمية ومؤسساتية صدرت قبل سنوات، ونبّهت صراحة إلى كلفة التأخر في التكيف مع التحولات المناخية المتسارعة.
ففي دراسة صادرة سنة 2021 عن المعهد المغربي لتحليل السياسايت ضمن “حوار حول السياسات المغربية حول المناخ”، حذّر خبراء وباحثون من أن المغرب، بحكم اعتماده الكبير على الموارد الطبيعية وهشاشة توازنه البيئي، يعد من أكثر البلدان عرضة لتداعيات تغير المناخ، ليس فقط من زاوية الجفاف وندرة المياه، بل أيضًا من حيث مخاطر الفيضانات والسيول المفاجئة، الناتجة عن اختلال أنماط التساقطات وتزايد حدتها في فترات زمنية قصيرة.
وما وقع في آسفي، حيث تحولت تساقطات رعدية لم تتجاوز ساعة واحدة إلى سيول جارفة أودت بحياة عشرات الضحايا وخلفت خسائر مادية جسيمة، وكذا في الراشيدية ومناطق أخرى بالجنوب والجنوب الشرقي، يعكس بشكل عملي ما نبهت إليه الدراسة من مفارقة مناخية آخذة في التعمق: سنوات متتالية من الجفاف، يقابلها في المقابل هطول مطري عنيف ومركز، يفوق قدرة التربة والبنية التحتية على الاستيعاب.
الدراسة أكدت أيضا، أن التغير المناخي في المغرب لم يعد خطرًا مستقبليًا، بل واقعًا قائمًا يفرض إعادة النظر في طرق التخطيط العمراني، وتدبير الموارد المائية، وحماية المناطق الحضرية والقروية من الكوارث الطبيعية. كما شددت على أن غياب التكيف الفعلي يجعل كلفة الخسائر البشرية والمادية أكبر بكثير من كلفة الاستثمار المسبق في الوقاية والبنيات التحتية المقاومة للمخاطر.
ورغم أن المغرب راكم، وفق الوثيقة نفسها، ترسانة مهمة من القوانين والاستراتيجيات، من بينها المخطط الوطني للحماية من الفيضانات، والاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة، والاستراتيجية الوطنية للماء، فإن الأحداث الأخيرة تطرح، مرة أخرى، سؤال الفجوة بين وجود السياسات على الورق ونجاعة تنزيلها على الأرض، خاصة على مستوى الجماعات الترابية والمدن المتوسطة والصغرى.
وتشير الدراسة إلى أن التغيرات المناخية، مرفوقة بتوسع عمراني سريع وغير مهيكل في كثير من المناطق، وتركز السكان في أحياء منخفضة أو بمحاذاة مجاري مائية، تزيد من حدة المخاطر، ما يستدعي اعتماد مقاربة استباقية تقوم على تحديد المناطق عالية الخطورة، وتحيين خرائط الفيضانات، وربط قرارات التعمير بالمعطيات المناخية، وليس فقط بالضغط الديمغرافي أو الاعتبارات العقارية.
كما نبّهت الوثيقة، قبل أربع سنوات، إلى أن التكيف مع تغير المناخ لا يمكن أن يظل حبيس الخطابات الوطنية الكبرى أو الالتزامات الدولية، بل يجب أن يترجم إلى خطط محلية واضحة، تشمل الإنذار المبكر، والتواصل مع السكان، وإجراءات الإخلاء الوقائي عند الضرورة، وهي عناصر عادت لتطرح بقوة بعد تسجيل خسائر بشرية في فيضانات كان بالإمكان، وفق عدد من المتابعين، تقليص آثارها لو فُعّلت هذه الآليات في وقتها.
الفيضانات الأخيرة، إذن، لا تعيد فقط طرح سؤال التقلبات الجوية، بل تضع السياسات العمومية والمنتخبين المحليين أمام مساءلة مباشرة حول مدى استيعابهم للتحولات المناخية التي حذرت منها الدراسات منذ سنوات، وحول أسباب استمرار منطق التدخل بعد وقوع الكارثة بدل ترسيخ ثقافة الوقاية والاستباق، في بلد أكد باحثوه منذ 2021 أن التأخر في التكيف سيكون مكلفًا، بشريًا واقتصاديًا، أكثر مما يُتصور.
24 Maroc News