تضارب المصالح يطارد حكومة أخنوش.. من “تحلية المياه” إلى “خريطة الفساد”

لم تمر سوى ساعات على إعلان الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة عن توقيف صفقة إعداد “خريطة مخاطر الفساد في قطاع الصحة”، حتى تفجّر جدل واسع أعاد إلى الواجهة سؤالاً يلاحق حكومة عزيز أخنوش منذ تشكيلها “إلى أي حدّ يمكن الفصل بين القرار العمومي والمصالح الخاصة في دولة يرأس حكومتها أحد أكبر رجال الأعمال؟”.

الصفقة التي بلغت قيمتها 2.4 مليون درهم كانت تهدف إلى إنجاز دراسة تشخيصية ترصد بؤر الفساد في المنظومة الصحية، غير أن تحقيقًا صحفيا كشف أن المكتب الذي فاز بها — Forvis Mazars — هو نفسه الذي يتولى مهام التدقيق المالي لمجموعة “أكديطال”، إحدى أكبر المجموعات الخاصة في القطاع الصحي والمستفيدة من السياسات العمومية التي تشرف عليها الوزارة ذاتها.

ورغم أن الهيئة الوطنية للنزاهة سارعت إلى توقيف الصفقة وإحالة الملف على اللجنة الوطنية للطلبيات العمومية، في خطوة تؤكد يقظتها واستقلاليتها، إلا أن القضية ألقت بظلالها الثقيلة على الحكومة التي وُجهت إليها مجددًا اتهامات بتغذية بيئة يسهل فيها تضارب المصالح بين السلطة والمال.

وترى مصادر مطلعة، أن ما حدث لا يمكن فصله عن سلسلة من الوقائع السابقة التي عمّقت الشكوك حول حدود الشفافية داخل الفريق الحكومي. فقبل أشهر فقط، أثار مشروع تحلية مياه البحر بالدار البيضاء انتقادات واسعة بعد انكشاف مشاركة شركات مرتبطة برئيس الحكومة، كما فجّر تصريح كاتبة الدولة في الصيد البحري، زكية الدريوش، بشأن تقديم دعم مالي ضخم بقيمة مليار و100 مليون سنتيم لمشروع لتربية الصدفيات في الداخلة، جدلاً واسعًا حول تضارب المصالح في تدبير المال العام، بعد أن أقرت بلسانها، أو فيما يشبه زلة لسان، أن المستفيد هو أمبارك حمية، البرلماني عن حزبها “التجمع الوطني للأحرار” ورئيس جمعية وادي الذهب للصيد البحري.

في هذا السياق، يقول الأستاذ الباحث في الحكامة والتنمية الترابية “رشيد معتمد” في تصريح لـ “نيشان” “ما نعيشه ليس مجرد تكرار لأخطاء تقنية، بل نمط متكرر من تداخل الأدوار بين المسؤول السياسي ورجل الأعمال. هذه الممارسات، حتى وإن لم تكن مخالفة قانونًا، تُضعف الثقة في مؤسسات الدولة وتخلق شعورًا بأن القرارات العمومية تُصاغ في دوائر محددة تخدم مصالح بعينها.”

ويرى المتحدث ذاته أن الرهان الأكبر اليوم هو استعادة ثقة المواطنين، معتبرًا أن “الفساد لا يبدأ من الرشوة الصغيرة، بل من غياب الحدود الأخلاقية التي يفترض أن تفصل بين من يقرر ومن يستفيد من القرار”.

من جانبه، يؤكد عادل بنعمر الكتاني الباحث في السياسات العمومية أن الجدل الدائر حول صفقة “خريطة الفساد” يسلّط الضوء على عجز الحكومة عن تفعيل الإطار القانوني لتنازع المصالح الذي نص عليه دستور 2011، قائلاً: “بعد أكثر من عقد، لا يزال القانون مجمّدًا في الرفوف، مما يجعل تضارب المصالح مسألة تقديرية تخضع للمزاج السياسي أكثر من كونها خاضعة لضوابط قانونية واضحة.”

وبينما التزمت “حكومة عزيز أخنوش” الصمت إزاء هذه التطورات، ترى المصادر أن القضية تكشف هشاشة منظومة الحكامة في القطاعات الحيوية التي أصبحت تعرف حضورًا متزايدًا للقطاع الخاص المرتبط برجال السياسة والمال. فبدلاً من أن تشكل الشراكة بين القطاعين العام والخاص رافعة للتنمية، تحولت في نظر كثيرين إلى باب واسع لتشابك المصالح وتبادل الأدوار بين صناع القرار والمستفيدين من السياسات العمومية.

في المقابل، حظي موقف الهيئة الوطنية للنزاهة بتقدير من فاعلين مدنيين وخبراء اعتبروا أن قرارها بتجميد الصفقة “يؤكد استقلاليتها وشجاعتها في حماية مصداقية العمل العمومي”، مشيرين إلى أن “المشكل لا يكمن في الهيئة، بل في السياق الحكومي الذي جعل تضارب المصالح واقعًا بنيويًا.”

أما على الصعيد السياسي، فقد أعاد الملف وزير الصحة أمين التهراوي إلى الواجهة، خاصة وأن قطاعه يعيش على وقع احتجاجات مهنية وغضب اجتماعي متزايد من الاختلالات التي يعرفها القطاع الصحي، في وقت لم يخلو حتى تعيينه هو نفسه في التعديل الحكومي الأخير من جدل، بعد أن جيء به من شركة لتسويق مواد التجميل مرتبطة بزوجة رئيس الحكومة، سلوى الإدريسي أخنوش. كما أضاف هذا الجدل عبئًا جديدًا على حكومة أخنوش التي تواجه منذ شهور انتقادات متواصلة من المعارضة، وعلى رأسها حزب العدالة والتنمية، الذي اتهم رئيس الحكومة بـ“تحويل الدولة إلى مقاولة عائلية.”

وصرّح عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية للحزب، بأن “الفساد في المغرب لم يعد مجرد شبهة بل أصبح ممارسة ممنهجة تُدار من أعلى المستويات.” وهي تصريحات تعكس تصاعد الشكوك في قدرة الحكومة على الفصل بين المصالح الاقتصادية والسياسية، في وقت يطالب فيه الشارع المغربي بمحاسبة أكثر صرامة وتدبير أكثر شفافية.

ورغم أن الهيئة الوطنية أكدت أن قرارها مؤقت في انتظار رأي اللجنة الوطنية للطلبيات العمومية، إلا أن الضرر السياسي والمعنوي بات قائما، لأن القضية تجاوزت بعدها الإداري لتصبح مرآة لخلل أعمق في علاقة السلطة بالمال داخل المنظومة الحكومية.

وتؤكد المصادر أن تضارب المصالح لم يعد قضية قانونية تقنية بقدر ما أصبح مؤشراً سياسيًا وأخلاقيًا يختبر صدقية حكومة أخنوش في الوفاء بوعودها حول الشفافية والمحاسبة. فحين تتقاطع المصالح الخاصة مع القرار العمومي، لا يعود السؤال “من ارتكب الخطأ؟” بل يصبح “من يجرؤ على تصحيحه؟”، تقول المصادر.

شاهد أيضاً

Soumaya Mounsif Hajji : When traditional mindsets meet a lack of political will

By Soumaya Mounsif Hajji As the world observes International Women’s Day, Morocco stands at a …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *