تضخم أجور غير مسبوق يفضح عجز حكومة أخنوش عن ترشيد النفقات

في وقت لا تزال حكومة عزيز أخنوش تتحدث عن “إصلاح المنظومة” و“ترشيد النفقات”، تؤكد الأرقام الواردة في مشروع قانون المالية لسنة 2026 أن كتلة الأجور في القطاع العمومي تواصل صعودها لتتجاوز 190 مليار درهم، أي ما يقارب 10 في المئة من الناتج الداخلي الخام، لتكرس بذلك أحد أضخم بنود الإنفاق العمومي وأكثرها استنزافاً للميزانية. هذا الارتفاع المستمر يطرح من جديد سؤال النجاعة وجدوى السياسات الحكومية في ضبط نفقات الدولة وتوجيه الموارد نحو الاستثمار المنتج.

وفق معطيات وزارة الاقتصاد والمالية، يبلغ عدد الموظفين المدنيين الدائمين حوالي 570 ألف موظف، دون احتساب العسكريين والأمنيين، أي ما يعادل موظفاً واحداً لكل 65 مواطناً تقريباً، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بعدد من الدول ذات الكثافة السكانية المماثلة. وخلال العقدين الأخيرين تضاعفت كتلة الأجور من 86 مليار درهم سنة 2006 إلى أزيد من 190 مليار درهم في 2026، أي بزيادة تفوق 120 في المئة، من دون أن يواكبها تحسن مماثل في جودة الخدمات العمومية.

في هذا السياق، يرى الخبير في المالية العمومية عبد الرحيم الصنهاجي أن هذا المسار التصاعدي “أصبح يشكل عبئاً هيكليا على مالية الدولة، لأن كتلة الأجور في المغرب لم تعد تعكس إنتاجية حقيقية داخل المرفق العام، بل تُحتسب على أساس الأقدمية والترقية الآلية”. ويضيف أن “المشكل ليس في عدد الموظفين بقدر ما هو في غياب نظام للتقييم والمردودية، فالدولة تصرف المليارات على أجور لا تقابلها كفاءة أو خدمة نوعية للمواطن”.

تقرير نفقات الموظفين المرفق بقانون المالية يُظهر أن ما يزيد عن 60 في المئة من كتلة الأجور تتركز في قطاعات التربية الوطنية والصحة والداخلية، وهي قطاعات تعاني أصلاً من ضغط مهني حاد وخصاص بنيوي في الأطر. لكن المفارقة أن توزيع الموارد البشرية داخل هذه القطاعات يظل غير متوازن، إذ تُسجَّل كثافة إدارية في المدن الكبرى مقابل خصاص مهول في المناطق القروية والنائية، وهو ما يجعل الإنفاق ضخماً دون أن ينعكس على جودة الخدمات أو على تقليص الفوارق الترابية.

في المقابل، تشهد مؤسسات عمومية وجماعات ترابية عجزاً واضحاً في الكفاءات التقنية والرقمية، وهو ما يعرقل التحول الإداري الذي تراهن عليه الحكومة في إطار “الرقمنة والنجاعة”. ويؤكد الباحث في الاقتصاد السياسي محمد بن يونس أن “ترشيد النفقات لا يعني فقط تقليص عدد الموظفين، بل إعادة توزيعهم وتوجيه الكفاءات نحو القطاعات المنتجة. المغرب لا يعاني من فائض عددي فقط، بل من اختلال نوعي في هيكلة الوظيفة العمومية”.

وبالمقارنة مع التجارب الدولية، تبرز المفارقة بشكل أوضح. ففرنسا، التي يتجاوز عدد موظفيها 5 ملايين، تمكنت عبر إصلاح شامل منذ 2018 من تجميد كتلة الأجور عند حدود 12 في المئة من الناتج الداخلي الخام رغم ارتفاع الأجور في بعض القطاعات الحيوية، بفضل سياسة صارمة لربط الأجر بالمردودية. في المقابل، تواجه دول مثل اليونان وإيطاليا صعوبات مالية مستمرة بسبب تضخم جهازها البيروقراطي، الذي تجاوزت كلفته 13 في المئة من الناتج قبل أن يُفرض عليها تقليصه تحت ضغط الاتحاد الأوروبي. أما التجربة الإسبانية، فتُعد نموذجاً وسطاً، حيث تم تخفيض عدد الموظفين الجدد بنسبة 20 في المئة خلال عقد، مع الحفاظ على الكفاءات عبر تحفيزات نوعية، ما سمح بخفض كتلة الأجور إلى أقل من 9 في المئة من الناتج.

النقابات المغربية ترد على هذا الخطاب المالي الرسمي بالتشديد على أن “كتلة الأجور ليست المشكلة، بل طريقة توزيعها”. وتؤكد المركزيات النقابية، في بيانات متفرقة، أن التعويضات الخاصة والمناصب العليا تستهلك ما يقارب 4 مليارات درهم سنوياً، في حين أن الزيادة العامة في الأجور المقررة في الاتفاق الاجتماعي الأخير لم تتجاوز كلفتها 9.2 مليارات درهم، موزعة على فئات واسعة من الموظفين الذين تآكلت قدرتهم الشرائية بفعل التضخم.

من زاوية الاقتصاد الكلي، يشكل استمرار تضخم كتلة الأجور خطراً على التوازنات المالية الكبرى. فخدمة الدين العمومي الداخلي تجاوزت 70 مليار درهم، وعجز الميزانية متوقع أن يبلغ نحو 4.7 في المئة من الناتج الداخلي الخام سنة 2026، أي أن أكثر من نصف موارد الدولة تُصرف على الأجور والفوائد، ما يحد من القدرة على تمويل الاستثمار العمومي. ويشير “محمد بن يونس” إلى أن “كل درهم إضافي يُضخ في الأجور يعني درهماً أقل في التعليم والبنية التحتية”، محذراً من أن “كتلة الأجور قد تتحول إلى قيد مالي دائم إن لم تُربط بالإنتاجية”.

وتذهب بعض القراءات الأخرى، إلى أن المغرب يكرر الخطأ نفسه الذي وقعت فيه دول مثل الأرجنتين والبرازيل في التسعينيات، حين قادت سياسة توسيع التوظيف العمومي إلى تضخم الأجور على حساب الاستثمار، ما فاقم العجز والدين وأدى لاحقاً إلى أزمات مالية حادة. غير أن خبراء آخرين يرون أن الحل لا يكمن في تقليص عدد الموظفين، بل في إعادة هيكلة الوظائف العمومية لتتماشى مع حاجات الاقتصاد الجديد القائم على المعرفة والتكنولوجيا، مع إصلاح جذري لأنظمة التعويض والترقية.

شاهد أيضاً

الحكومة فشلت في إدماج الشباب والنساء في الدورة الاقتصادية

كشفت المذكرة الإخبارية للمندوبية السامية للتخطيط، حول وضعية سوق الشغل بالمغرب خلال سنة 2025، أنه …

15 تعليقات

  1. Актуальные рейтинги лицензионных онлайн-казино по выплатам, бонусам, минимальным депозитам и крипте — без воды и купленной мишуры. Только площадки, которые проходят живой отбор по деньгам, условиям и опыту игроков.

    Следить за обновлениями можно здесь: https://t.me/s/reitingcasino

  2. Актуальные рейтинги лицензионных онлайн-казино по выплатам, бонусам, минимальным депозитам и крипте — без воды и купленной мишуры. Только площадки, которые проходят живой отбор по деньгам, условиям и опыту игроков.

    Следить за обновлениями можно здесь: https://t.me/s/reitingcasino

  3. Актуальные рейтинги лицензионных онлайн-казино по выплатам, бонусам, минимальным депозитам и крипте — без воды и купленной мишуры. Только площадки, которые проходят живой отбор по деньгам, условиям и опыту игроков.

    Следить за обновлениями можно здесь: https://t.me/s/reitingcasino

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *