أصدرَت مؤسسة “كونراد أديناور” الألمانية، بشراكة مع مؤسسة “الحوكمة والسيادة العالمية”، تقريرًا جديدًا يرصد التحوّل الكبير الذي شهدته الرياضة المغربية خلال السنوات الأخيرة، ويُقيِّم في الوقت ذاته التحديات المالية والتنظيمية المرتبطة باستضافة المملكة لنهائيات كأس العالم 2030.
ويشير التقرير إلى أن النجاحات التي عرفتها كرة القدم المغربية — من بلوغ “أسود الأطلس” نصف نهائي مونديال قطر 2022 إلى التتويج بلقب كأس العالم لأقل من 20 سنة 2025 في تشيلي — ليست وليدة الصدفة، بل ثمرة رؤية استراتيجية طويلة المدى تراهن على الاستثمار في الشباب، والبنية التحتية، والحوكمة الرياضية.
يعود التقرير إلى المناظرة الوطنية حول الرياضة بالصخيرات سنة 2008، حيث دعا الملك محمد السادس إلى جعل الرياضة وسيلة لبناء الوحدة الوطنية وإدماج الشباب وتعزيز النمو الاقتصادي. منذ ذلك الحين، بدأ تحول مؤسسي شامل تُوِّج بافتتاح مركب محمد السادس لكرة القدم بسلا سنة 2019 بتكلفة ناهزت 60 مليون يورو، ليصبح اليوم من أبرز المراكز التقنية في العالم، يحتضن 25 فريقًا وطنيًا بمختلف الفئات.
كما تحولت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بقيادة فوزي لقجع منذ 2014، إلى فاعل دبلوماسي مؤثر في القارة الإفريقية، بعد توقيعها 47 اتفاقية شراكة مع اتحادات إفريقية لدعم البنية التحتية وتكوين الأطر وبناء الملاعب المعتمدة من “الكاف”.
يرى التقرير أن المغرب استطاع من خلال الرياضة توسيع حضوره الجيوسياسي، خصوصًا بعد عودته إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017. فقد استثمر علاقاته الرياضية لبناء جسور جديدة مع الدول الإفريقية الناطقة بالإنجليزية، في إطار سياسة تهدف إلى تعزيز المواقف الوطنية في القارة، خصوصًا بخصوص قضية الصحراء المغربية.
ويضيف المصدر أن أكاديمية محمد السادس أصبحت مركزًا لتكوين الرياضيين الأفارقة، وأداة فاعلة في الدبلوماسية الرياضية، تُسهم في ربط الرياضة بالسياسة والاقتصاد الإفريقيين
يشير التقرير إلى أن تنظيم المغرب المشترك لكأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال يمثل تجربة رائدة بين قارتين، قد تُعيد تعريف طريقة تنظيم الأحداث الرياضية الكبرى، وتحقق توازنًا في التكاليف والفوائد بين الشركاء.
غير أن الوثيقة تُحذر من الأعباء المالية المحتملة لتنظيم المونديال، مشيرة إلى أن تكلفة بناء الملاعب لا تمثل سوى 20 إلى 30% من إجمالي المصاريف، بينما تكاليف التشغيل والصيانة هي التحدي الأكبر. لذا شدّد التقرير على ضرورة وضع خطط استدامة واضحة لكل منشأة رياضية، ودمج الفضاءات الثقافية والتجارية والمجتمعية داخلها لضمان استمرارية فائدتها بعد البطولة.
كما نبّه التقرير إلى ضرورة توازن الاستثمار الرياضي وعدم تركيز الجهود على كرة القدم وحدها، على حساب رياضات أخرى مثل ألعاب القوى والرياضات الصاعدة، حفاظًا على تنوع المشهد الرياضي الوطني.
أكد التقرير أن النجاحات الرياضية الأخيرة جعلت المغرب وجهة عالمية متزايدة الجاذبية. فبعد مونديال قطر 2022، ارتفعت عمليات البحث عن المغرب عبر الإنترنت خمس مرات، ما ساهم في نموٍ سياحي مستدام، ومن المتوقع أن يُسهم مونديال 2030 في بلوغ هدف 26 مليون سائح خلال السنوات المقبلة.
كما تُتيح الدبلوماسية الرياضية للمغرب فرصًا إضافية للتأثير داخل إفريقيا، سواء عبر منتدى الاستثمار الإفريقي أو من خلال العلاقات المتينة مع العشرات من الدول الإفريقية، ما يُمكن تحويله إلى تحالفات اقتصادية وسياسية أوسع.
ورغم هذه الآفاق المشرقة، يُحذر التقرير من مخاطر الهجمات السيبرانية وحملات التضليل التي قد تستهدف البنية التحتية الرقمية المرتبطة بالمونديال — من أنظمة التذاكر والبث إلى شبكات النقل والأمن — معتبرًا أن أي اختراق كبير قد يُحدث ضررًا يفوق الحوادث الميدانية التقليدية.
يرى التقرير أن المغرب رسّخ لنفسه مكانة رياضية ودبلوماسية متميزة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا الزخم إلى مكاسب مستدامة توازن بين الطموح العالمي والاستقرار المالي، وتضمن أن يظل “مونديال 2030” فرصة تنموية وليست عبئًا اقتصاديا.
24 Maroc News