على بُعد أقل من عام من تشريعيات 2026، تتصاعد حدّة التوتر داخل عدد من الجماعات الترابية بشكل لافت، في مشهد يعكس بداية موسم انتخابي ساخن تتسيده حسابات التزكيات، وتُشعل فتيله الصراعات الداخلية و”التسريبات” التي تحولت إلى سلاح سياسي يومي بين مختلف الكيانات السياسية. فالجماعات، التي يُفترض أن تكون فضاءً لتدبير الشأن المحلي، باتت اليوم مسارح مفتوحة لتصفية الحسابات وخوض معارك استباقية عنوانها الأبرز البحث عن البقاء في الواجهة قبل إعادة رسم الخريطة البرلمانية المقبلة.
هذا الوضع الهشّ جعل عدداً من التحالفات داخل المجالس لاسيما في الجماعات القروية ينهار مبكراً. تشير معطيات إلى تعثر غير مسبوق في التصويت على الميزانية، وتبادل اتهامات بين نواب الرؤساء، وظهور حملات منسقة على شبكات التواصل تستهدف منتخبين بعينهم عبر نشر وثائق وأرقام تتعلق بصفقات وتدبير سنوات سابقة. بعض هذه الحملات تقودها، وفق مصدر حزبي، “أطراف داخلية تسعى لتشويه خصومها استعداداً لمرحلة توزيع مفاتيح التزكيات”.
ويعتبر عدد من الباحثين أن هذه الفوضى تعكس خللاً بنيوياً في التجربة الانتخابية المحلية. الباحث في العلوم السياسة حمان بوراس ، يؤكد أن النظام الانتخابي القائم على تعدد التحالفات داخل الجماعات “يُنتج هشاشة سياسية تظهر بشكل أكبر كلما اقترب موعد الاستحقاقات الوطنية”، مشيراً إلى أن “تعطيل الميزانيات واستعمال المؤسسات كساحات معارك أمر يُفقد الساكنة الثقة في المنتخبين، ويُحوّل التدبير المحلي إلى رهينة للصراع الحزبي”.
أما التحليل السياسي الجديد الذي فرض نفسه بعد اجتماع المجلس الوزاري الأخير، فيذهب أبعد من ذلك. فقد أظهر مشروع تعديل القانون التنظيمي لمجلس النواب أن الدولة تتحرك بوضوح نحو تخليق العملية الانتخابية ومحاصرة الفساد الانتخابي، عبر تشديد شروط الأهلية ومنع المشتبه فيهم من الترشح، وهي خطوة يصفها الباحث بوراس بأنها “لحظة فارقة تعيد رسم قواعد اللعبة، وتضع الأحزاب أمام مساءلة مباشرة حول نوعية المرشحين الذين تزج بهم إلى البرلمان”. هذه الصرامة القانونية المرتقبة تزيد من ارتباك المشهد داخل الجماعات، لأن الأحزاب – تقول مصادر حزبية – بدأت تعيد فحص لوائحها، وتستبعد أسماءً تلاحقها قضايا أو شبهات، وهو ما فُهم محلياً كإعادة توزيع للأوراق وتضييق على رؤساء فقدوا وزنهم التنظيمي.
ويتقاطع هذا مع مزاج عام يتجه إلى التشدد مع كل أشكال الفساد الانتخابي. فبعد سنوات من الاتهامات المتكررة حول استعمال المال واستغلال الهشاشة الاجتماعية، يبدأ المشهد السياسي اليوم في تلقي إشارات قوية مفادها أن حملة 2026 لن تكون كسابقاتها. 11 نائباً دخلوا السجون خلال الولاية الحالية و29 جُرّدوا من عضويتهم، وفق معطيات متداولة، أرقام تقدم صورة دقيقة عن حجم الإشكال الذي تحاول الدولة التدخل لتصحيحه.
وفي الوقت الذي تستعد فيه وزارة الداخلية لإطلاق الجولة الأخيرة من مشاورات ما قبل الإحالة على البرلمان، تتسرب إلى الرأي العام مؤشرات عن تنافس محتدم بين أحزاب كبرى داخل الجماعات، لا يتعلق فقط بالوضع المحلي، بل بسباق مبكر على مفاتيح تشكيل حكومة ” المونديال.
24 Maroc News