المتقاعد المغربي ليس مواطنًا من الدرجة الثانية، بل هو غالبًا مواطن منسيّ، أنهكته سنوات العمل الطويلة حتى استنزف صحته في خدمة الوطن، ثم أُلقي به في زاوية النسيان.
أربعون سنة من العطاء لا تُقابَل بالاعتراف ولا بالإنصاف، بل يُختزل صاحبها في “رقم تأجير” يردده الموظفون بدل اسمه، ويُعامل وكأن معاشه صدقة لا حق مستحق.
حين يمرض المتقاعد، يجد أبواب المستشفيات العمومية موصدة في وجهه، ورفوف الصيدليات خاوية من دوائه، وحين يحتاج إلى قرض صغير، تقابله الأبناك بالرفض، هكذا يتحول رجل الأمس الذي شيد المؤسسات وأدى ضرائبه إلى “عبء مالي” اليوم، بدل أن يكون محل تقدير ورعاية.
يُعاد فتح ملف التقاعد كل مرة، لا من باب الإنصاف أو رد الاعتبار، بل من زاوية ضيقة، هاجسها المحاسبة المالية وحدها. في خطاب “الإصلاح”، لا يظهر المتقاعد إلا كرقم إضافي يثقل ميزانية مثقوبة أصلًا، فأي إصلاح لا يضع المتقاعد في قلب المعادلة ليس سوى قناع جديد لانتزاع حقوق مؤجلة.
في قرى المغرب المنسية، في هوامش المدن الكبرى، وفي طوابير المستشفيات، يعيش المتقاعدون مأساة يومية لا يتوقف عندها صانع القرار. أن يجلس رجل أو امرأة في الصف الخلفي من الحافلة لأنهما لا يملكان ثمن الطاكسي، فهذه ليست مجرد تفاصيل، بل شواهد على واقع يفتقد للكرامة.
نريد إصلاحًا يُعيد الاعتبار قبل المعاش. نريد سياسة تعترف أن المتقاعد لم يقدم خدمة مجانية للدولة، بل دفع ثمنًا باهظًا من عمره وصحته.
أما إذا كان الإصلاح المقترح مجرد خطوات مدروسة لدفع هذه الفئة نحو الجحيم، فحينها لا بد أن يُقال بوضوح: المتقاعدون ليسوا كبش فداء للأزمات التي صُنعت في مكاتب الوزراء وتصب أرباحها في جيوب من لم يتعبوا يومًا.
شاهد أيضاً
المغرب يعزز جاهزيته في تدبير الكوارث الطبيعية.. كيف تحولت تدخلات القوات المسلحة إلى نموذج للسرعة والفعالية؟
في كل مرة تضرب فيها التساقطات القوية أو الفيضانات عدداً من مناطق المغرب، يتكرر مشهد …
24 Maroc News