في زمن كرة القدم الصاخبة، حيث تسبق العناوينُ الأفعالَ أحيانًا، يفرض بعض المدربين أسماءهم بهدوء، بعيدًا عن الاستعراض، وقريبًا من الجوهر. طارق السكتيوي واحد من هؤلاء. مدرب لم يحتج إلى خطابات نارية ولا وعود براقة، بل اختار طريقًا آخر: الإخلاص، التواضع، والعمل الصامت… فكان التتويج بكأس العرب نتيجة منطقية، لا مفاجأة عابرة.
مدرب يتحدث بالقيم قبل الخطط
في تصريحاته خلال كأس العرب، لم يكن طارق السكتيوي يسوّق لنفسه إعلاميًا، بل كان يعبّر عن قناعة راسخة. عبارات من قبيل الإخلاص في العمل، الخوف من ظلم أي لاعب في الاختيارات، رضا الله والوالدين، والاحترام، لم تكن شعارات ظرفية، بل انعكاسًا لشخصية متزنة، بشهادة لاعبين وإداريين عاشوا معه التفاصيل اليومية.
الرجل، كما يظهر في الكواليس كما أمام الكاميرات، لا يرتدي قناع الحكمة عند الحاجة، ولا يتصنع الوقار، بل يحمله في سلوكه وتعاملاته. وحين تجتمع القيم الإنسانية مع المعرفة الكروية، يصبح النجاح مسألة وقت فقط.
نجاح هادئ… لكنه صادق
طارق السكتيوي أضاف إلى مسيرته إنجازًا مهمًا في ظروف لم تكن سهلة. منتخب شاب، ضغط جماهيري، وتوقعات متباينة. ومع ذلك، قاد المجموعة بعقل يعرف كرة القدم، وقلب يعرف المعنى الحقيقي للقيادة.
لم يكن التتويج صاخبًا، ولا مبنيًا على استعراض تكتيكي مبالغ فيه، بل جاء هادئًا، يشبه صاحبه كثيرًا. وهذا ما جعله أكثر صدقًا وعمقًا.
من الشك إلى اليقين: كيف تطور الأداء؟
في بداية المشوار، لم يكن المنتخب المغربي الرديف مقنعًا بالكامل. أداء حذر أحيانًا، ومتردد أحيانًا أخرى، رغم تحقيق النتائج. المباراتان الأوليان، خاصة الشوط الثاني أمام جزر القمر ومواجهة عُمان، خفّضتا من منسوب الترشيحات، في وقت ارتفعت فيه أسهم منتخبات أخرى، أبرزها المنتخب الأردني.
لكن منذ مواجهة سوريا، تغيّر كل شيء. ظهرت اللمسة المغربية الحقيقية، وتحرر اللاعبون، وبدأ الفريق يلعب بثقة أكبر، ويعبّر عن إمكاناته دون تردد.
صلابة دفاعية ولمسة فنية
الإجماع كان شبه كامل على أن ثنائية سعدان وبوفتيني منحت المنتخب إحساسًا نادرًا بالأمان، سواء على الأرض أو في الكرات الهوائية، وحتى في لحظات الضغط القصوى.
في الوسط، قدّم بولكسوت وحريمات مستويات جعلت كثيرين يتساءلون: لماذا لا يُمنح هؤلاء فرصة أكبر على المستوى القاري؟ لاعبان بخبرة إفريقية ولمسة فنية مختلفة، كان من الممكن أن يسهّلا الاندماج داخل مجموعة موهوبة، ويضيفا جوعًا تنافسيًا واضحًا للانتصارات والألقاب.
الجدل المؤجل… والإنصاف واجب
اليوم، لا جدوى من فتح نقاش الاختيارات. وليد الركراكي قال كلمته، واختار الأسماء التي سيخوض بها التحدي القاري. لكن الإنصاف يفرض الاعتراف بأن بعض الأسماء المحلية كانت، على الأقل، تستحق فرصة حقيقية داخل مجموعة قوية، لا خارجها، حتى في ظل الإجماع على تواضع المنتوج المحلي مقارنة بالاحتراف الخارجي.
المغرب منجم لا ينضب
هذه البطولة لم تثبت سوى حقيقة واحدة: المغرب ليس بلد مواهب عابرة، بل خزان متجدد. الأسماء تتغير، والمدربون يتعاقبون، لكن العمق موجود، والقدرة على إنتاج فرق تنافس وتُتوّج ليست استثناءً.
وإذا كان المستقبل يُرسم بالفعل، فإن أمثال طارق السكتيوي يؤكدون أن النجاح حين يُبنى على القيم والكفاءة، لا يكون وعدًا مؤجلًا، بل واقعًا يتجدد فوق منصات التتويج.
24 Maroc News