تودع حكومة عزيز أخنوش سنة 2025 وهي مثقلة بأسئلة أكبر من أجوبتها، وبحصيلة ظلّت محل جدل واسع، رغم ما رافقها من حملات تواصلية مكثفة ومحاولات متواصلة لتسويق “المنجزات”. سنة اتّسمت بتراكم الاحتقان الاجتماعي، وتوسّع فجوة الثقة بين السلطة التنفيذية وشرائح واسعة من المغاربة، في سياق داخلي اتسم بالغلاء، وتراجع الأمل، وعودة الشارع كفاعل أساسي خارج القنوات السياسية التقليدية.
لم تكن 2025 مجرد امتداد لسنة صعبة، بل شكّلت منعطفًا كشف حدود خطاب “الدولة الاجتماعية” حين اصطدم بواقع القدرة الشرائية المتآكلة، وبتزايد البطالة في صفوف الشباب “وفق تقارير مندوبية بنموسى”، وبعجز السياسات العمومية عن امتصاص آثار الأزمات المتلاحقة. ورغم إصرار الحكومة على ربط الاختلالات بعوامل خارجية، من الجفاف إلى التقلبات الدولية، فإن هذا الخطاب الدفاعي لم ينجح في إقناع فئات واسعة بأن التدبير الحكومي قدّم حلولاً ملموسة بقدر ما راكم التبريرات.
الشارع، خلال 2025، لم يعد ينتظر إشارات من الأحزاب أو النقابات. حراك شبابي واسع، غير مؤطر تنظيميا، خرج إلى الواجهة رافعًا مطالب مباشرة، وموجهًا نقداً صريحاً لرئيس الحكومة وأدائه. احتجاجات عكست تحوّلاً في طبيعة الغضب الاجتماعي، حيث لم تعد الشعارات تدور فقط حول مطلب قطاعي أو فئوي، بل حول نموذج حكامة يُنظر إليه باعتباره عاجزا عن الإنصات والاستباق، ومكتفيًا بإدارة الأزمة بدل معالجتها.
اقتصاديًا، زادت سنة 2025 من تعرية هشاشة التوازنات الاجتماعية. الأسعار واصلت الارتفاع، كلفة المعيشة أثقلت كاهل الأسر، فيما بدت إجراءات الدعم غير كافية أو محدودة الأثر. ومع كل موجة انتقاد، كان رد الحكومة يتراوح بين التذكير بالأرقام والمؤشرات، والدفاع عن “الإصلاحات الهيكلية”، دون أن ينعكس ذلك على الإحساس اليومي للمواطن بتحسن ملموس في معيشه.
سياسيًا، اتّسع منسوب التوتر داخل البرلمان وخارجه. المعارضة رفعت منسوب المواجهة، ووجهت اتهامات مباشرة للحكومة بالفشل في تدبير ملفات اجتماعية واقتصادية حساسة، وبالعجز عن ترجمة وعودها الانتخابية إلى واقع. وفي المقابل، بدا أن الأغلبية اختارت الاصطفاف الدفاعي الصلب، معتمدة على أغلبيتها العددية أكثر من اعتمادها على مبادرات سياسية قادرة على امتصاص الاحتقان أو إعادة الاعتبار للحوار المؤسساتي.
وفي خضم هذا السياق المشحون، فجّرت الحكومة جبهة جديدة مع الجسم الصحفي، عبر تمرير مشروع قانون جديد لتنظيم المجلس الوطني للصحافة، رغم رفض واسع عبّرت عنه منظمات مهنية وهيئات صحفية. مهنيون اعتبروا أن النص الجديد لا يكرّس الاستقلالية، ويفتح الباب أمام الوصاية والتدخل، ويضرب مبدأ التنظيم الذاتي الذي ناضل الصحافيون من أجله لسنوات. إصرار الحكومة على تمرير القانون، دون توافق مهني حقيقي، عُدّ من قبل مصادر متعددة، دليلاً إضافيا على منطق فرض القرار بدل إشراك الفاعلين، وعلى تضييق غير معلن على حرية الصحافة في لحظة كان يُفترض فيها تعزيز الثقة لا تقويضها.
ولم تكن سنة 2025 رحيمة على المستوى الطبيعي والبيئي. فيضانات عنيفة وكوارث مناخية ضربت عدداً من المدن والمناطق، مخلفة خسائر بشرية ومادية، وكاشفة مرة أخرى هشاشة البنية التحتية، وضعف منطق الاستباق في تدبير المخاطر. ورغم الزيارات الميدانية والبلاغات الرسمية، طفت على السطح انتقادات حادة لطريقة تدبير الأزمات، خاصة ما يتعلق بسرعة التدخل، وقرار الحكومة عدم تفعيل “صندوق الكوارث” لتعويض المتضررين، ما وضع كثيرين في مواجهة مباشرة مع الخسائر التي طالت ممتلكاتهم. كما عاد الجدل ليطال مشاريع حماية المدن من الفيضانات التي رُصدت لها ميزانيات مهمة دون نتائج ملموسة على أرض الواقع.
ملف الثقة عاد أيضا من بوابة النزاهة والحكامة. ففي 2025 تفجّر جدل جديد حول تضارب المصالح، خصوصا في قطاع الأدوية، حيث وجّهت اتهامات للحكومة بتدبير غير شفاف لملفات حساسة تمس الأمن الدوائي للمغاربة. ورغم نفي الحكومة، فإن غياب مبادرات سياسية قوية لقطع الشكوك، والاكتفاء بالردود التقنية، عمّق الانطباع بوجود فجوة بين الخطاب الرسمي وانتظارات الرأي العام في الشفافية والمساءلة.
حتى رئيس الحكومة لم يكن في منأى عن موجة الانتقادات، بعدما تحولت عطلته الصيفية في سردينيا الإيطالية إلى مادة سياسية وإعلامية واسعة التداول؛ ليس لكونها شأناً خاصاً، بل لما حملته من رمزية في ظرف اجتماعي دقيق. واعتبر منتقدو الحكومة أن الواقعة تعكس فجوة بين نمط عيش النخبة الحاكمة ومعاناة شريحة واسعة من المواطنين، ما ساهم في تأجيج الغضب الشعبي، رغم محاولات الأغلبية التخفيف من وقع الحدث والتهوين من دلالاته.
في المقابل، راهن حزب التجمع الوطني للأحرار على تكثيف اللقاءات التنظيمية والتواصلية، والدفاع عن الحصيلة بلغة الإنجاز والاستمرارية. غير أن هذا الرهان بدا محدود الأثر أمام واقع اجتماعي وسياسي يتجه نحو مزيد من التشكيك، ومعارضة لم تعد تكتفي بالخطاب، وشارع لم يعد ينتظر الوساطات.
عشية 2026، تطوي حكومة أخنوش سنة 2025 وهي أمام حصيلة ثقيلة، عنوانها الأبرز اهتزاز الثقة، وتراكم الإخفاقات في تدبير الأزمات، واتساع الهوة بين الخطاب والواقع. حصيلة تضع الحكومة أمام امتحان حقيقي في ما تبقى من ولايتها، إما مراجعة عميقة في أسلوب الحكم والقرار، أو مواجهة مرحلة أشد صعوبة في ظل سياق اجتماعي وسياسي لا يبدو مستعدا لمنح مزيد من الوقت بلا مقابل.
24 Maroc News