14 مليار درهم بلا أثر… أين اختفت خطة التشغيل الحكومية؟

تتوالى الأسئلة الحارقة حول مصير 14 مليار درهم التي ضختها حكومة عزيز أخنوش في قانون مالية 2025 لإنعاش التشغيل، دون أن يظهر لها أثر ملموس على الأرض، بينما تواصل مؤشرات البطالة صعودها القلق، وتتسع رقعة الاحتجاجات الاجتماعية في مختلف المدن والمناطق القروية. فعلى بعد أشهر قليلة من إسدال الستار على آخر سنة مالية قبل الاستحقاقات الانتخابية، يجد رئيس الحكومة نفسه في دائرة المساءلة “أين ذهبت الأموال؟ ولماذا لم تُترجم إلى مناصب شغل كما وعدت الحكومة وكما روّجت في أكثر من مناسبة؟.

قبل عام تقريباً، روّجت الحكومة لما اعتبرته “خطة استثنائية لإنعاش التشغيل”، بميزانية وصفتها بـ”غير المسبوقة”، بلغت 14 مليار درهم، قُدمت حينها كإجابة استعجالية لمواجهة الهشاشة في سوق العمل، خصوصاً في ظل تداعيات الجفاف والتحولات الاقتصادية العالمية. يومها تحدث وزير التشغيل يونس السكوري عن “تشخيص معمق” و“تشاور موسع” و“برامج دقيقة”، تُعيد هيكلة السياسات النشيطة وتوسع التكوين بالتدرج وتدعم الاستثمار الصغير والمتوسط.اكتشاف المزيدرياضةالتعليمللصحةغزةبفاس

بعدها بأسابيع، عاد رئيس الحكومة ليبشر المواطنين بـ”خارطة طريق جديدة” تتعهد بخلق 1.45 مليون منصب شغل في أفق 2030، بعدما كان الوعد خلال الحملة الانتخابية يخص مليون منصب شغل بحلول 2026، قبل أن يمتد الأفق إلى أربع سنوات إضافية، في خطوة اعتبرها كثيرون تراجعاً واضحاً عن تعهد انتخابي مركزي شكّل أحد أعمدة الخطاب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار.

لكن رغم كل هذه الشعارات والعروض الحكومية، جاءت تقارير المؤسسات الرسمية لتكشف واقعاً مغايراً تماماً. فحسب آخر معطيات بنك المغرب، لم يستطع الاقتصاد الوطني خلق سوى 5000 منصب شغل صافي خلال سنة كاملة، مقابل فقدان 82 ألف منصب خلال 2024. أما المندوبية السامية للتخطيط، فترسم بدورها صورة قاتمة: بطالة تجاوزت 35% في صفوف الشباب، وقفزت إلى ما يقارب 47% في المدن… وهي أرقام تُناقض تماماً الخطاب الحكومي الذي يتحدث عن دينامية إيجابية، وجعل سؤال الشغل ضمن “الأولويات الوطنية الكبرى”.

في هذا السياق، يؤكد الباحث في الاقتصاد السياسي، الأستاذ سعد أيت كزول أن الإشكال الأساسي ليس في حجم الأموال المرصودة، بل في “غياب رؤية واضحة لتنزيل السياسات العمومية”.

ويضيف في اتصال هاتفي مع نيشان: “صرف 14 مليار درهم دون أثر يعني عملياً أن الآليات التي تُرصد عبرها الأموال غير فعالة، وأن الحكومة تواصل تكرار الأخطاء نفسها، من خلال وضع برامج مشتتة، غياب تقييم موضوعي، وتضارب الصلاحيات بين القطاعات”. ويرى “أيت كزول” أن الحكومة “تشتغل بمنطق الإعلان بدل منطق الإنجاز”، وأن تحويل الوعود من 2026 إلى 2030 “نموذج دال على انعدام التخطيط الواقعي”.

من جهته، يعتبر الخبير في السياسات العمومية الدكتور “مولاي الطاهر بنسالم” أن مشكلة التشغيل في المغرب “أعمق بكثير من منطق الدعم المالي”. ويشرح بأن القطاع الخاص “لا يستجيب بالسرعة المطلوبة، لغياب إصلاحات هيكلية كبرى تتعلق بالجبايات، وكلفة الإنتاج، وبطء الترخيصات، وضعف ربط التكوين بسوق العمل”. ويرى أن الحكومة “أضاعت سنة كاملة في تسويق أرقام غير دقيقة، بدل معالجة الاختلالات البنيوية، وعوض تقديم نتائج، اكتفت بخطابات تتحدث عن المستقبل أكثر من الحاضر”.

وبالنظر إلى سنة انتخابية على الأبواب، تتزايد المخاوف، كما حذّر والي بنك المغرب نفسه، من “أي انزلاق مالي أو تراجع في الانضباط الميزانياتي”، وهو تحذير يُقرأ، بحسب خبراء، كرسالة مباشرة إلى الحكومة التي تواجه عجزاً في تحقيق وعودها الأساسية، وعلى رأسها خفض البطالة وخلق فرص عمل.

وفي الشارع، لا يظهر أن 14 مليار درهم قد خففت شيئاً من الضغط الاجتماعي. الاحتجاجات ما تزال تتصاعد وفي مقدمتها احتجاجات ضحايا برنامج فرصة، وتدفّق الشباب نحو الهجرة لم يتوقف، بل ازداد حدّة خلال السنتين الأخيرتين. وبينما تواصل الحكومة الترويج لبرامجها على الورق، ينتظر المغاربة أجوبة دقيقة، حول من استفاد فعلاً من هذه الميزانية؟ ما المشاريع التي تم تمويلها؟ أين هي المناصب التي قيل إنها ستُخلق؟ ولماذا تبدو الأرقام الرسمية أقرب إلى العجز منها إلى الإنجاز؟.

أسئلة قد تتحول – بحسب المصادر – إلى محور النقاش السياسي خلال الأشهر المقبلة، خصوصاً مع دخول المغرب مرحلة انتخابية مفصلية، يصفها مراقبون بأنها ستكون “امتحان الحقيقة” لوعد خلق مليون منصب شغل، ولأداء حكومة أعلنت نفسها “حكومة نتائج”… دون أن تُقدّم للمواطنين، حتى الآن، سوى وعود مؤجلة وأرقاما غير مطمئنة.

شاهد أيضاً

نادية تهامي تدعو لتصحيح اختلالات المدرسة العمومية في العالم القروي

وجهت نادية تهامي عضوة فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب سؤالا كتابيا إلى وزير التربية الوطنية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *