575 ألف قضية أسرية وأخلاقية خلال عقدين… الإهمال والعنف الأسري في صدارة الجرائم العائلية بالمغرب

أظهر تقرير وزارة العدل حول معالم الجريمة (2002–2022) أن المغرب سجل خلال العقدين الماضيين 575 ألف قضية تتعلق بجرائم أخلاقية وأسرية، تشمل الاعتداءات الجنسية، والإهمال العائلي، وهجر الأسرة، وخيانة الأمانة الزوجية.

ويعد هذا المحور من أكثر المجالات حساسية في المشهد الجنائي المغربي، لأنه يكشف عمق التحولات الاجتماعية والأسرية التي عاشها المجتمع خلال السنوات الأخيرة.

أرقام مثيرة: ارتفاع مطرد رغم القوانين الجديدة

من أصل 575 ألف قضية مسجلة، يشير التقرير إلى أن أكثر من 400 ألف منها ترتبط بالاعتداءات الجنسية بمختلف أشكالها (من تحرش واغتصاب وهتك عرض وقضايا قاصرين)، بينما يتعلق ما يزيد على 62 ألف قضية بالإهمال العائلي وهجر الأسرة وعدم أداء النفقة.

أما الباقي فيشمل قضايا الخيانة الزوجية والفساد والاغتصاب الزوجي وغيرها من الجرائم ذات الطابع الأخلاقي.

سنة 2005 كانت الأعلى في عدد القضايا الأخلاقية بأكثر من 42 ألف قضية، فيما عرف المنحنى تراجعا نسبيا خلال جائحة كوفيد-19 بسبب القيود الصحية، قبل أن يعود إلى الارتفاع مجددا ابتداء من 2021.

ويربط التقرير هذا التطور بـ تغير المنظومة القيمية وارتفاع الوعي الحقوقي لدى النساء والأطفال، ما أدى إلى تزايد التبليغ عن هذه الجرائم بعد أن كانت تعتبر قضايا العائلة المغلقة.

الإهمال العائلي… جريمة صامتة في قلب البيوت

من بين الظواهر التي ركز عليها التقرير، الإهمال الأسري وهجر الزوجة أو الأطفال وعدم أداء النفقة، حيث بلغ عدد القضايا المرتبطة بهذا النوع حوالي 62 ألف قضية خلال عشرين سنة.

وتسجل أغلب هذه القضايا ضد الأزواج أو الآباء الذين يرفضون تنفيذ أحكام النفقة أو يتخلون عن مسؤولياتهم الأسرية.

وتشير معطيات وزارة العدل إلى أن المدن الكبرى (كالدار البيضاء، فاس، طنجة ومراكش) تأتي في الصدارة، تليها المناطق القروية التي تشهد ارتفاعا في حالات الهجر الناتجة عن الهجرة الداخلية والخارجية.

ويرى المرصد أن العوامل الاقتصادية وضغط المعيشة أحد أهم مسببات الإهمال الأسري، إذ تتداخل البطالة والهشاشة مع ضعف التماسك العائلي لتشكل دائرة مغلقة من الإهمال والعنف النفسي والاجتماعي.

تطور تشريعي… ومحدودية في التطبيق

رغم أن المغرب أقر منذ 2004 مدونة الأسرة، ثم عدل القانون الجنائي والمسطرة الجنائية لتشديد العقوبات على المتخلفين عن النفقة أو المهملين لأطفالهم، إلا أن التقرير يسجل أن الردع القانوني وحده غير كاف.

ففي كثير من الحالات، يتوقف التنفيذ على وعي الأسرة وقدرتها على المصالحة، خصوصا عندما تكون الضحايا نساء لا يتوفرن على دخل ثابت أو أطفالا قاصرين دون معيل.

ويشير التقرير إلى أن العقوبات بالحبس من شهر إلى سنة المقررة في المادة 479 من القانون الجنائي نادرا ما تطبق في أقصى حدودها، بسبب تغليب الصلح الأسري أو الصعوبات في التنفيذ.

كما أن الأحكام بالنفقة تبقى أحيانا غير قابلة للتنفيذ في غياب آلية ناجعة للتحصيل، رغم الجهود التي بذلتها وزارة العدل لإحداث صندوق التكافل العائلي.

التحولات الاجتماعية والاقتصادية تغير طبيعة الجريمة الأسرية

يربط التقرير تطور هذا النوع من الجرائم بـ تحول بنية الأسرة المغربية من الممتدة إلى النووية، حيث لم تعد العائلة الكبيرة تؤدي دور الوساطة والضبط الاجتماعي كما في السابق.

كما أن تغير أنماط العيش، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وانفتاح الشباب على ثقافات جديدة جعلت العلاقات داخل الأسرة أكثر هشاشة.

ويحذر المرصد من أن هذه التحولات، إلى جانب ارتفاع نسب الطلاق وتزايد حالات العنف المنزلي، تجعل المجتمع المغربي أمام تحد بنيوي يستدعي حلولا وقائية أكثر من زجرية.

الجرائم الجنسية… بين الكتمان والمجاهرة

تظهر البيانات أن الجرائم الجنسية لا تزال من أكثر الجرائم المسجلة ضمن القضايا الأخلاقية، حيث مثلت حوالي 70% من مجموع هذا المحور.

وتشمل القضايا المسجلة الاغتصاب، التحرش، الاعتداء على قاصرين، واستغلال النساء في أوضاع هشة.

ويشير التقرير إلى أن التحولات الاجتماعية ووسائل الإعلام الرقمية ساهمت في زيادة الإبلاغ، خصوصا في المدن، بينما تبقى القرى والمناطق المحافظة الأقل في التبليغ بسبب الخوف من الوصم الاجتماعي.

كما رصد التقرير زيادة حالات الاستغلال الجنسي عبر الإنترنت، خصوصا في صفوف القاصرين، ما يجعلها ترتبط مباشرة بالجرائم الإلكترونية.

هذه المعطيات دفعت وزارة العدل إلى تعزيز التنسيق مع الشرطة القضائية من خلال وحدات مختصة في العنف ضد النساء والأطفال.

من المقاربة الزجرية إلى الحماية الاجتماعية

في توصياته، شدد التقرير على ضرورة الانتقال من مقاربة الزجر إلى الوقاية والحماية الاجتماعية، عبر تطوير منظومة الدعم النفسي والقانوني للأسر الهشة، وتفعيل مؤسسات الوساطة العائلية في كل محكمة ابتدائية.

كما دعا إلى مراجعة الإطار القانوني للإهمال الأسري بما يضمن حماية الأطفال دون المساس بحق الصلح الأسري، وتوسيع دور الجمعيات المدنية في الوساطة الاجتماعية.

ويخلص التقرير إلى أن الاستقرار الأسري ركيزة للأمن المجتمعي، وأن معالجة الجريمة داخل الأسرة لا تنفصل عن العدالة الاجتماعية والتعليم والثقافة، مشددا على أن أي إصلاح قانوني يظل ناقصا ما لم يواكب بتربية أسرية وإعلامية تحمي كرامة النساء والأطفال.

شاهد أيضاً

نادية تهامي تدعو لتصحيح اختلالات المدرسة العمومية في العالم القروي

وجهت نادية تهامي عضوة فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب سؤالا كتابيا إلى وزير التربية الوطنية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *