في زمن تتسارع فيه وتيرة التحول الرقمي والمدفوعات الإلكترونية حول العالم، يواصل النقد المتداول، أو ما يُعرف بـ”الكاش”، ترسيخ هيمنته في المغرب، مسجلاً ارتفاعاً لافتاً في نهاية عام 2024. فوفقاً لتقرير حديث صادر عن بنك المغرب، بلغ حجم النقد المتداول 444.3 مليار درهم، بزيادة سنوية قدرها 7.6 في المائة. هذا الرقم المثير للتساؤل يطرح العديد من التساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء هذا الانتعاش غير المتوقع للكاش في الاقتصاد المغربي، وما إذا كان يعكس ثقة متزايدة في التعاملات النقدية، أم أنه مؤشر على تحديات اقتصادية أعمق قد تدفع بالمواطنين نحو الاحتفاظ بالسيولة النقدية. دعونا نتعمق في تفاصيل هذا التقرير ونحلل دلالاته.
يكشف التقرير السنوي لبنك المغرب حول الوضعية الاقتصادية والنقدية والمالية لعام 2024، والذي قدمه والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، إلى الملك محمد السادس، عن تفاصيل مثيرة للاهتمام حول بنية النقد المتداول. فقد ارتفع المبلغ الجاري للأوراق البنكية بنسبة 7.7 في المائة، ليلامس 439.9 مليار درهم، موزعة على 2.9 مليار ورقة نقدية. أما القطع النقدية المتداولة، فقد شهدت بدورها نمواً بنسبة 5 في المائة، لتصل إلى 4.4 مليار درهم، بحجم قدره 3.3 مليار قطعة.
وما يلفت الانتباه هو استمرار هيمنة الفئات الكبرى من العملة. فالورقة البنكية من فئة 200 درهم لا تزال تتربع على عرش الأوراق المتداولة، مستحوذة على حصة بلغت 57 في المائة من إجمالي الأوراق النقدية. وفي المقابل، حافظت القطعة النقدية من فئة 1 درهم على صدارتها ضمن القطع المعدنية، بحصة قدرها 29 في المائة. هذه البنية تعكس تفضيل المغاربة للتعامل بالفئات الكبيرة، مما قد يشير إلى طبيعة المعاملات اليومية أو حتى إلى سلوكيات الاحتفاظ بالمال.
إن استمرار هيمنة الكاش في الاقتصاد المغربي، وارتفاع حجمه المتداول، يثير تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء هذا التوجه. ففي حين يرى البعض أن هذا الانتعاش يعكس ثقة المواطنين في التعاملات النقدية وربما ضعف الثقة في البدائل الرقمية، يرى آخرون أنه قد يكون مؤشراً على تحديات اقتصادية. ففي أوقات عدم اليقين الاقتصادي، يميل الأفراد إلى الاحتفاظ بالسيولة النقدية كشكل من أشكال الأمان، أو لتجنب تتبع المعاملات. كما أن القطاع غير المهيكل، الذي يعتمد بشكل كبير على التعاملات النقدية، قد يلعب دوراً في هذا الانتعاش. يبقى السؤال مطروحاً: هل نحن أمام ظاهرة صحية تعكس حيوية الاقتصاد، أم أنها إشارة إلى قضايا أعمق تتطلب معالجة شاملة؟
24 Maroc News