سرعة بلا بوصلة.. أخنوش بين الطريق السريع والانحدار السياسي

طيلة أربع سنوات من عمر الحكومة، ظلّ الشباب خارج حسابات الأغلبية، وكأنهم غير موجودين. حتى حين ارتفعت أصواتهم بالاحتجاج، هنا وهناك، لم تلتفت إليهم لا الهيئات السياسية ولا النقابية… بل حتى “العائلة الكبيرة” التي يفترض أن تحتويهم، أدارت ظهرها.

فشل ذريع في خلق فرص الشغل، سواء عبر برنامجي “أوراش” و”فرصة” اللذين تحولا إلى أدوات للدعاية الحزبية، تتحكم فيهما الزبونية بدل الكفاءة. لا فرص عمل دائمة، ولا كرامة للشباب الذي يُستعمل كصورة مؤقتة في حملات التواصل.

بل إن بعض المسؤولين لم يترددوا في السخرية من الشباب، من واصفٍ لهم بـ”الجراثيم”، إلى زعيمٍ يعتلي المنصات مردداً أغنيته الشهيرة: “مهبول أنا غادي فالأطوروت”.

وطبعاً، “لي لقا راحتو فالهبال، آش بغا يدير بالعقل؟”… لكن المغاربة الذين تربّوا على حب وطنهم وملكهم، لم ينخدعوا بالسرعة الزائفة. تركوه يجري وحده في طريق تُضخّم ثروته لا القدرة الشرائية للمواطنين، إلى أن وجد نفسه يركض وحيداً في آخر لفة من سباق الحكومة، بينما الشعب ما زال في صف الانطلاقة.

السرعة الزائدة، كما يقول المثل الشعبي: “قال ليه حماري مشا، قال ليه المسرب طويل”، والتسرع في السياسة لا يقل خطراً عن التهور في السياقة. الطريق طويل، ومن لا يعرف تقسيم السرعة على المسافة، سينهار قبل خط الوصول.

وما أربع سنوات في عمر دولة عمرها 14 قرناً؟ مجرد رمشة عين.

لو كانت الحكومة قامت بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول “فضيحة الأبقار والأغنام” التي استفاد منها 18 اسماً بـ13 مليار درهم من المال العام، لربما تنفس الرأي العام قليلاً من الطمأنينة. لكن لا لجنة، ولا رقابة، ولا حتى اعتذار.

بدل ذلك، سمعنا رئيس الحكومة يهدد في البرلمان: “إيلا بْقيتو تابعين…”، فصار المواطنون تابعينه فعلاً، لكن بشعارٍ أوضح: “إرحل”.

أما حزبه، فاختار لغة التخويف، محذراً من “كارثة” لو توقفت “الإصلاحات” التي يقودها. لكن الكارثة الحقيقية انفجرت في مستشفى أكادير، مع احتجاجات المواطنين على وفيات النساء أثناء الوضع، بينما وزير الصحة يوجه الأطر للاحتجاج أمام وزارته بالرباط!

السياسة ليست أطوروت. صحيح أن السير في الطريق السيار يقلل من الحوادث، لكن “أطوروت السياسة” تحتاج إلى عقلٍ بارد، لا إلى “ركوب الهبال”. فالمهبول مكانه الطبيعي كان “بويا عمر”

وعندما ظهر ثلاثة وزراء من ثلاثة أحزاب بعد المجلس الحكومي، كان الشحوب على وجوههم، والارتباك في كلامهم، حتى أن أحدهم نسب آية قرآنية للرسول ﷺ بدل الله تعالى.

إنها حكومة فقدت المصداقية، كما فقدت البوصلة، حتى باتت الوعود فيها كالماء في الغربال: لا تمسكه مهما حاولت.

وفي وصف حالها، كأنما ينطبق قول الشاعر كعب بن زهير:

أكرِم بها خُلَّةً لو أنها صَدَقَت
مَوعودَها أو لوَ أنَّ النُصحَ مقبولُ
لكنّها خُلَّةٌ قد سِيطَ من دمها
فَجعٌ ووَلعٌ وإخلافٌ وتبديلُ
فما تدومُ على حالٍ تكونُ بها
كما تَلَوَّنُ في أثوابها الغولُ
ولا تَمَسَّكُ بالوعدِ الذي زَعَمَت
إلّا كما تُمسِكُ الماءَ الغرابيلُ

شاهد أيضاً

المغرب يعزز جاهزيته في تدبير الكوارث الطبيعية.. كيف تحولت تدخلات القوات المسلحة إلى نموذج للسرعة والفعالية؟

في كل مرة تضرب فيها التساقطات القوية أو الفيضانات عدداً من مناطق المغرب، يتكرر مشهد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *