“تضارب المصالح” يحاصر الحكومة والمعارضة تنبه إلى اختلالات صفقات الأدوية

ما تزال الحكومة تعيش على وقع فضيحة “تضارب المصالح” التي طبعت سياستها في عدد من المجالات لتصل إلى صفقات الأدوية التي أشعلت النقاش داخل البرلمان بين الأغلبية والمعارضة.
وفجر نواب من المعارضة في وقت سابق فضيحة تمرير صفقات لقطاع الصحة إلى وزير آخر ضمن الحكومة، ما خلق جلا واسعا حول استمرار تضارب المصالح داخل الحكومة منذ قدومها في سنة 2021، وهو الجدل الذي دفع الحكومة إلى رفض هذه الاتهامات.
هذا الجدل دفع إلى عقد اجتماع بلجنة القطاعات الاجتماعية بمجلس النواب أول أمس الأربعاء، والتي بدورها عرفت نقاشا ساخنا بين الأغلبية والمعارضة، هذه الأخيرة التي عرت عن اختلالات كثيرة، ودعت إلى إعادة النظر في المساطر المعمول بها وإصلاح الاختلالات “الخطيرة” التي يعرفها قطاع الأدوية، خصوصا التسيب الذي كانت تفره مديرية الأدوية.
في هذا السياق، قال رشيد حموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب إن ملف الأدوية في المغرب يشكل إحدى القضايا الحيوية داخل المنظومة الصحية، وأن البرلمان أولى له أهمية بالغة منذ الولايات السابقة، من خلال اللجوء إلى مهام استطلاعية متعددة تناولت وضعية سوق الدواء، وتدبير المديرية المكلفة، ونواقص الحكامة والشفافية.
ودافع حموني عن مهام الاستطلاع ودورها في الوقوف على الحقائق، مشيرا إلى أن المجلس قام بعدة مهام استطلاعية منذ سنة 2015، ثم في 2019 و2020، والتي ساهمت في الدفع نحو إنشاء وكالة الأدوية كآلية أساسية لإصلاح القطاع.
وشدد حموني على أن إصلاح منظومة الصحة لا يمكن أن يتحقق دون إصلاح جذري لقطاع الدواء، قائلا إن المستشفيات قد تُبنى، لكن بدون دواء وحكامة فعالة واستقلالية تنظيمية فإن الإصلاح يبقى ناقصا. واعتبر أن إنشاء وكالة الأدوية يعد أحد أهم أدوات الإصلاح الحقيقي، لكنه يحتاج إلى وقت وتدرج.
وأكد المتحدث أن المهام الاستطلاعية كشفت عن “اختلالات خطيرة جدا” في تدبير مديرية الأدوية سابقا، مبرزا أن غياب الرقابة والشفافية سمح بتسجيل أدوية وتدبيرها دون ضوابط دقيقة، حتى أن المواطنين كانوا يحصلون على الدواء فقط عبر دفتر بسيط للتسجيل، في ظل غياب نظام تتبع واضح.
إلى ذلك، توقف حموني عند مجموعة من الاختلالات التي تطبع قطاع الأدوية، مردفا أن هناك حاجة إلى تشجيع الدواء الجنيس الذي قال إنه يشكل خيارا استراتيجيا للسيادة الدوائية، خاصة بعد جائحة كورونا التي بينت حاجة المغرب إلى استقلال في إنتاج الأدوية الحيوية. وقال إن إنتاج الدواء الجنيس محلياً سيسهم في خفض التكاليف، ودعم صناديق الحماية الاجتماعية، وتخفيف العبء عن المواطنين الذين يضطرون لشراء أدوية أصلية تفوق أسعارها أحياناً بثلاثة أو أربعة أضعاف.
وانتقد حموني الاعتماد المتزايد على استيراد الأدوية، موضحا أن قيمة الواردات ارتفعت من 5.1 مليار درهم سنة 2014 إلى 13.1 مليار درهم سنة 2021، بزيادة بلغت أكثر من 175 بالمئة. واعتبر أن هذا الوضع يهدد السيادة الصحية، ويستنزف العملة الصعبة، ويؤثر سلباً على مداخيل الضرائب، خاصة أن الشركات الأجنبية لا تساهم إلا بنحو 11 بالمئة فقط من الضريبة على الشركات، بينما تغطي الشركات المغربية 82 بالمئة.
وبعدما تسائل عن دعم الصناعة الوطنية، في ظل هذه الأرقام، تساءل حموني أيضا عن المعايير المعتمدة في الترخيص لاستيراد بعض الأدوية، مشيرا إلى أن دولا أخرى لا تسمح بدخول أي دواء قبل مرور فترة اختبار تمتد لشهرين أو أكثر، خلافا للوضع في المغرب حيث يتم القبول بسرعة ودون ضمانات كافية للجودة والفعالية.
وأكد حموني أن الدواء الجنيس يمكن أن يوفر أكثر من 60 بالمئة من كلفة الأدوية بالنسبة لصناديق التأمين الصحي، في ظل الأزمة المالية التي تهدد استدامة هذا الورش الاجتماعي الكبير، داعيا الحكومة إلى اتخاذ إجراءات عملية وشجاعة بدل الاكتفاء بالنوايا والتوصيات.
وخلص رئيس فريق التقدم والاشتراكية إلى أن نجاح مشروع تعميم التغطية الصحية لن يتحقق بالشعارات، بل بخطوات واقعية تضمن الأمن الدوائي والسيادة الصحية والعدالة في الولوج للعلاج.
من جانبه، وفي سياق تفاعله مع النواب، أكد وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي أن اقتناء الأدوية، مثل باقي المشتريات العمومية، يتم حصرا في إطار القانون، مبرزا أن الصفقات العمومية تبرم مع شركات خاضعة للقانون التجاري.
وأوضح الوزير، أمام لجنة القطاعات الاجتماعية، أن عمليات اقتناء الأدوية لا تتم بقرارات فردية أو اجتهادات شخصية، وتنفذ وفق مرسوم الصفقات العمومية الذي يحدد قواعد وشروط المنافسة، ومساطر الترشح، ومبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص.
إلى ذلك، سجل التهراوي أن صفقة تزويد السوق بالبوتاسيوم، التي خلقت الجدل، أسندت من طرف الوزارة إلى شركة تنتج محليا، وفي إطار صارم لطلب العروض، وليس إلى شركة مستوردة تتوفر على ترخيص مؤقت.
وفي محاولة تقليله من تمرير صفقة إلى وزير آخر في الحكومة، قال وزير الصحة “ما يتعلق بما أثير حول تضارب المصالح، من الضروري التوضيح أن الصفقات العمومية لا تبرم مع أشخاص ذاتيين، بل مع شركات خاضعة للقانون التجاري”، مؤكدا الالتزام بتطبيق القوانين الحالية كما هي، دون انتقائية أو استثناءات أو تمييز.

شاهد أيضاً

الحكومة فشلت في إدماج الشباب والنساء في الدورة الاقتصادية

كشفت المذكرة الإخبارية للمندوبية السامية للتخطيط، حول وضعية سوق الشغل بالمغرب خلال سنة 2025، أنه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *