مرة أخرى تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها في قلب جدل شبهات تضارب المصالح. فبعد ما أثير قبل قرابة عامين حول حصول شركة مقربة من رئيس الحكومة على صفقة لإنجاز محطة تحلية مياه الدار البيضاء بملايين الدراهم، تعود القضية إلى الواجهة اليوم عبر بوابة وزارة الصحة، وهذه المرة بسبب تفويت صفقة لتوريد مادة “البوتاسيوم” لشركة يملكها عضو آخر في الحكومة. ومع أن الوزير أمين التهراوي حاول، خلال مثوله أمام لجنة القطاعات الاجتماعية، تقديم تبريرات تقنية وقانونية، إلا أن ردوده ـ كما تقول مصادر مطلعة تحدثت إلى “نيشان” ـ بدت أقرب إلى تدوير الزاوية بدل تفكيك الإشكال الحقيقي.
فالوزير اختار التمترس وراء القاعدة التي تقول إن “الصفقات لا تبرم مع الأشخاص بل مع الشركات”، لكن هذه القاعدة، وفقا للمصادر، ليست سوى قراءة شكلانية تُغفل أن الشركات ليست كيانات مجردة، بل تمثل مصالح مالكيها وشركائهم. وترى المصادر ذاتها أن الإشكال ليس في وجود شركة تخضع للقانون التجاري، بل في تموقع صاحب المصلحة المباشرة داخل الحكومة، وهو ما يخلق مفارقة لا يمكن معالجتها بمجرد تذكير بالنصوص.
مصادر أخرى من داخل البرلمان اعتبرت بدورها أن دفاع التهراوي عن صفقة زميله لم يقدم الإجابة المركزية، “هل يجوز سياسيًا وأخلاقيًا أن تفوز شركة تابعة لوزير بصفقة أطلقتها حكومة هو جزء منها؟” وتضيف أن المسألة لا تتعلق بخرق للمساطر، بل بخرق لقاعدة اللياقة الديمقراطية التي تجعل الحكومة مطالبة بتجنب كل وضع يثير الشبهة، لا انتظار ثبوت المخالفة.
ولم ينجُ الوزير من تساؤلات أخرى أثارها دفاعه عن “صرامة طلب العروض”. فمصدر مهني في قطاع الأدوية يشير إلى أن التهراوي تحدث عن شركة “محلية منتجة” ثم لجوء الى “صفقات استثنائية”، لكنه لم يوضح للرأي العام كيف جرت مقارنة عروض الشركات، ولا ما إذا كانت شروط المنافسة متوفرة على قدم المساواة. أما حديثه عن “رقابة وزارة المالية” فقد اعتبرته المصادر ذاتها محاولة لنقل الجدل نحو مسطرة تقنية، بينما السؤال الأساس يظل سياسيًا، وهو من يحمي المرفق العام من تشبيك المصالح داخل الجهاز التنفيذي نفسه؟.
في السياق ذاته، ترى المصادر أن استحضار الوزير لتقارير 2015 و2021 حول اختلالات نظام التراخيص القديمة لا يقدم أي جواب عن وضعية اليوم، بل يشبه، برأيها، “إغراق النقاش في التاريخ لتجنب مواجهة الحاضر”. فالتذكير بإحداث الوكالة الوطنية للأدوية محاولة مفهومة لإظهار الإصلاح، لكنها لا تمس جوهر الاتهامات المتعلقة باستفادة شركة لوزير من قرار حكومي مباشر.
وتشدد مصادر نيشان، على أن القوة الحقيقية للصفقات العمومية لا تكمن في احترام المساطر فقط، بل في بناء ثقة عمومية تُفهم من خلالها أن أي مسؤول حكومي، مهما كان موقعه، لا يمكن أن يكون طرفًا اقتصاديًا في قرارات الدولة. وتضيف أن “المعيار ليس فقط قانونية الصفقة، بل مظهرها العام، وتأثيرها على الثقة في حياد القرار الحكومي”.
لكن أخطر ما في الجدل، كما تحذر مصادر سياسية، هو أن الحكومة لم تستوعب الدرس بعد قضية محطة التحلية، إذ تظهر اليوم بذات المنطق الدفاعي الذي يرى في كل انتقاد “مزايدات” بدل اعتباره تنبيهًا سياسيًا مشروعًا. وهذا ما يجعل كثيرين يعتبرون أن الحكومة تفتقد إلى حساسية سياسية ضرورية في لحظات كهذه، حيث يصبح مطلوبًا تفسيرًا مقنعًا، لا خطابًا عامًّا يحتمي بالقانون.
من جانبه يرى احمد السرغيني الباحث في العلوم السياسية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، إن دفاع الوزير يعكس ما سماه “ثقافة سياسية قديمة تتعامل مع تضارب المصالح كأنه موضوع تقني، بينما هو في عمقه مسألة تتعلق بجودة الديمقراطية”.
ويضيف في حديث لنيشان أن “الدولة الحديثة لا تُقاس فقط بوجود نصوص قانونية، بل بقدرة أصحاب القرار على خلق مسافة صحية بينهم وبين أي منفعة اقتصادية محتملة”. ويرى أن الواقعة الحالية “تكشف هشاشة في تصور الحكومة لمفهوم الحكامة، لأن مجرد وجود صفقة تربط بين وزارتين يقودهما وزيران من الحكومة نفسها يضع شرعية القرار تحت ضغط الشك”.
ويشدد الباحث ذاته على أن “التبريرات التي تلوّح بالقانون لم تعد مقنعة في زمن يتعاظم فيه الوعي العمومي. فالمواطن لا يسأل هل تم احترام المسطرة، بل يسأل لماذا فازت شركة وزير في الحكومة بمال عام تديره حكومة هذا الوزير؟”.
وفي ظل هذه الأسئلة الثقيلة، يبدو أن الحكومة وجدت نفسها مرة أخرى أمام امتحان ثقة عسير. فالقضية باتت تتجاوز حدود صفقة واحدة، وتُعيد إلى الذاكرة نمطًا من التقاطعات بين السلطة والاقتصاد ظل مثار انتقادات منذ سنوات.
وبين دفاع التهراوي، وضغط المعارضة، وخيبة المتتبعين، – تتسائل المصادر -، هل تمتلك “حكومة أخنوش” الشجاعة السياسية لتأسيس قاعدة جديدة تُبعد المسؤولين عن أي علاقة تعاقدية مع الدولة، أم أن المشهد سيظل يدور في الحلقة نفسها التي تربط السلطة بالمصلحة.
24 Maroc News