في ما يشبه الصدمة الجماعية، فوجئ عدد من أصحاب المَركبات التي جرفتها السيول الجارفة بمدينة آسفي، صباح اليوم الموالي للفيضانات، بإغلاق عملي لأبواب التعويض في وجوههم، بعدما أخبرتهم شركات التأمين بأن عقودهم لا تغطي هذا النوع من الخسائر، ما لم يصدر قرار رسمي يصنف ما حدث كـ«واقعة كارثية». هكذا انتقل المتضررون، في ظرف ساعات، من هول الفاجعة إلى متاهة المساطر والفراغ القانوني، في مدينة لم تكن قد استوعبت بعد حجم الكارثة الإنسانية والمادية التي خلفتها الأمطار الغزيرة.
الفيضانات التي ضربت آسفي، أمس الأحد، لم تترك مجالاً للشك في جسامتها. خسائر بشرية ثقيلة، ممتلكات مدمرة، طرقات مقطوعة، وأحياء كاملة غمرتها المياه، في مشهد أعاد إلى الواجهة سؤال الجاهزية والوقاية، لكنه فجّر أيضاً إشكالاً قديماً جديداً يتعلق بتفعيل صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية، وحدود مسؤولية التأمين في مثل هذه الحالات.
مصادر تحدثت إلى أن عدداً من المتضررين الذين توجهوا، صباح الاثنين، إلى وكالات التأمين، اصطدموا بجواب واحد، مفاده أن الفيضانات والكوارث الطبيعية لا تدخل ضمن التعويض إلا إذا صدر قرار حكومي صريح يعلن الواقعة كارثة طبيعية. جواب قانوني من حيث النص، لكنه بدا مستفزاً في سياق مأساة إنسانية لا تزال فصولها تتكشف، خصوصاً وأن الأقساط التأمينية تتضمن، منذ سنوات، اقتطاعات لفائدة «رسم التضامن ضد الوقائع الكارثية».
في المقابل، ارتفعت أصوات محلية وحقوقية تطالب بتصنيف ما شهدته آسفي «واقعة كارثية» وفق القانون 110.14، بما يسمح بتفعيل صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية، المحدث لتعويض الضحايا الذين لا يتوفرون على تغطية تأمينية. فالقانون يعتبر واقعة كارثية كل حادث تنجم عنه أضرار مباشرة بالمغرب ويكون سببه الحاسم قوة غير عادية لعامل طبيعي، وهو توصيف ينطبق، بحسب المصادر، حرفياً على ما جرى بالإقليم.
وكان الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بآسفي، قد أعلن صباح الاثنين 15 دجنبر 2025، عن فتح بحث قضائي في خلفية الفيضانات، التي أسفرت، في حصيلة مؤقتة، عن وفاة 37 شخصاً. وأوضح بلاغ رسمي أن البحث، الذي عهد به إلى الشرطة القضائية، يروم الوقوف على الأسباب الحقيقية للحادث والكشف عن جميع ظروفه وملابساته، في أفق ترتيب المسؤوليات.
غير أن فتح البحث، على أهميته، لا يجيب عن السؤال الآني الذي يطرحه المتضررون، والمتعلق أساسا بمن يعوض الخسائر، ومتى؟ سؤال يعيد استحضار النقاش الذي تفجر غشت المنصرم، حين قررت الحكومة رفع رسم التضامن ضد الوقائع الكارثية من 1 في المائة إلى 1.5 في المائة من أقساط التأمين، بدعوى ارتفاع تكلفة التغطية بعد زلزال الحوز، وتزايد حدة الكوارث الطبيعية. قرار رافقته، آنذاك، انتقادات برلمانية وحقوقية بسبب غياب معطيات واضحة حول حصيلة الصندوق، وعدد المستفيدين الفعليين منه، وتعقيد المساطر المرتبطة بالتعويض.
برلمانيون من فرق المعارضة كانوا قد ساءلوا الحكومة عن مردودية هذا الصندوق، وعن أسباب بطء أو محدودية التعويضات في كوارث سابقة، دون أن يتلقوا أجوبة شافية. كما حذرت تقارير بحثية من ضعف شفافية التدبير المالي، ومن محدودية الأثر الاجتماعي للتمويلات المرصودة لمواجهة الكوارث، رغم تضخمها.
واليوم، مع فاجعة آسفي، يعود الملف إلى الواجهة بحدة أكبر. فالمواطن الذي يقتطع من أقساط تأمينه «رسم تضامن»، يجد نفسه، عند أول امتحان حقيقي، معلقاً بين قرار حكومي لم يصدر بعد، ومساطر ثقيلة لا تراعي استعجالية الوضع. وبينما تتسابق الجماعات المحلية لفك العزلة عن المناطق المتضررة، يبقى مصير التعويضات معلقاً، في انتظار تصنيف إداري قد يحدد ما إذا كان الضحايا سيحصلون على دعم فعلي، أم سيضاف الضرر المالي إلى جراح فاجعة إنسانية غير مسبوقة بالإقليم.
24 Maroc News