استمرار واقع الأزمة يفضح الارتباك الحكومي

شهدت سنة 2025 العديد من الأحداث والتطورات على المستوى الاجتماعي، مفضية إلى حصيلة تتباين معطياتها ومؤشراتها بين المبادرات والوعود التي يسوق لها المسؤولون تحت شعار “الحكومة الاجتماعية”، وبين وتيرة عمل بطيئة ونتائج باهتة يفضحها استمرار واقع الأزمة ومعاناة المواطن المغربي من تراجع القدرة الشرائية في ظل جمود الأجور، وارتفاع تكاليف المعيشة وفواتير الماء والكهرباء وأسعار المواد الغذائية، فضلا عن التكاليف المرهقة التي يتحملها المواطن للاستفادة من الخدمات في قطاعات أساسية مثل الصحة والتعليم وغيرها، مع عدم قدرة الجهود المبذولة على مواجهة التردي الكبير الحاصل في تلك الخدمات، حيث عرفت السنة التي ودعناها بضعة أحداث عرت على الكارثة التي ينطوي عليها وضع البنيات التحتية، مثل حادثة وفيات الأمهات التي فضحت واقع المستشفيات العمومية، أو فيضانات أسفي التي كشفت الوجه البشع للإهمال في مدينة أسفي مؤخرا.
ورغم حقيقة المساءلة التي يفرضها هذا الواقع، وحتى لا نودع سنة ونستقبل أخرى بنبرة الإحباط، فإن الإرادة تتطلع إلى سنة 2026، التي يستقبلها المواطنون على إيقاع التفاؤل بأمطار الخير المبشرة بموسم فلاحي جيد ينعش الآمال بانعكاس نتائجه الإيجابية على باقي القطاعات، وتحديدا على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين البسطاء.
ويبقى هذا الأمل مشروطا بتركيز السياسات والبرامج العمومية في شموليتها على العنصر البشري، وعلى تعزيز قدرة المواطن على رفع تحديات التنمية في جميع المجالات، وهو الأمر الذي ينسجم تماما مع توجهات الإرادة والسياسة الملكية السامية، ويحتاج من أجل تأكيده على أرض الواقع إلى إرادة حكومية فعلية في تنزيل شعار الدولة الاجتماعية، من خلال سياسة اجتماعية حقيقية تحارب تغول الاحتكار والفساد، وتضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار، علما أن سنة 2026 تعد سنة انتخابية بامتياز، وتمنح فرصة أخيرة للحكومة من أجل تسريع البرامج وتجاوز الإكراهات واستدراك الهفوات التي طبعت ولايتها، وأججت موجة الاحتجاجات في جميع المجالات خلال السنة التي ودعناها والتي نأمل أن تكون آخر السنوات العجاف.
استمرار تداعيات التضخم وغلاء الأسعار
على الرغم من الانخفاض النسبي الذي شهدته معدلات التضخم في بلادنا، مؤخرا، كما تشير إليه معطيات المندوبية السامية للتخطيط، فإن استمرار عدم الاستقرار مازال يثقل بوطأته وتداعياته على واقع ارتفاع الأسعار وانخفاض القدرة الشرائية للمواطنين، الذين لا يلمسون فعليا أي تحسن في المؤشرات الاقتصادية مهما تغيرت المعطيات إلى الأفضل، خاصة في ظل تقاعس غير مفهوم للحكومة الحالية عن ردع لوبيات الاحتكار وجشع الوسطاء المتحكمين في دورة المواد الاستهلاكية وعدد من الخدمات الأساسية التي تستمر أسعارها في الارتفاع بمناسبة وبغير مناسبة.
وينعكس هذا الوضع واضحا على مؤشرات مستوى المعيشة ومستوى الثقة عند الأسر، حيث يبرز ذلك من خلال الأرقام الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط التي سجلت ضمن مذكرتها في الموضوع للفصل الثالث من سنة 2025، أن 77.9 في المائة من الأسر اعتبرت أن مستوى المعيشة قد تدهور خلال الـ12 شهرا الماضية، بينما رأى 5.0 في المائة فقط أنه تحسن، وتوقعت نصف الأسر تقريبا (51,4 في المائة) استمرار هذا التدهور خلال الـ12 شهرا المقبلة، مقابل 7.1 في المائة ترجح تحسن وضعها المعيشي. وفيما يخص الأسعار، اعتبرت 95.7 في المائة من الأسر أن أسعار المواد الغذائية قد ارتفعت خلال السنة الماضية، وتوقع 81.8 في المائة استمرار ارتفاعها خلال الـ12 شهرا المقبلة.
وتكشف المندوبية، في نفس الصدد، أن 69.4 في المائة من الأسر تعتبر الظروف غير ملائمة لاقتناء السلع المستديمة، بينما صرحت 59.0 في المائة أن مداخيلها تغطي مصاريفها، مقابل 38.7 في المائة اضطروا لاستنزاف المدخرات أو اللجوء إلى الاقتراض، ولا يتجاوز معدل الأسر القادرة على الادخار 2.3 في المائة. وبالتالي اعتبرت نصف الأسر (50.6 في المائة) أن وضعيتها المالية قد تدهورت خلال الـ12 شهرا الماضية، مقابل 3.8 في المائة فقط تحسنت أوضاعها.
تواصل هاته الأزمة يبرز أثره واضحا على الحياة اليومية للأسر، وفي تصاعد مشاعر التذمر جراء زيادة الأعباء المالية، كما يترجم في تعمق الفجوة بين الطبقات الاجتماعية وتفاقم مظاهر الهشاشة في أوساط الطبقة المتوسطة والفقيرة على وجه الخصوص، وهو ما يطرح تحديا ملحا وعاجلا بضرورة إعادة الأمور إلى نصابها وإعادة التوازن الضروري بين إمكانيات واحتياجات الأسر، حفاظا على الاستقرار والأمن الاجتماعيين.
قطاع الصحة والحماية الاجتماعية.. أوضاع متفجرة وتحديات متزايدة
عرفت ميزانية قطاع الصحة والحماية الاجتماعية خلال السنة الماضية تحسنا طفيفا حيث ارتفعت من 30 مليار درهم في 2024 ثم 32.6 مليار درهم (في 2025، لما يمثل نحو 4% من الميزانية العامة. كما تم الرفع من عدد المناصب لتعزيز الموارد البشرية. وتواصلت جهود إعادة هيكلة وتأهيل البنى التحتية (تأهيل المستشفيات، إحداث مراكز صحية وجديدة، تعزيز الوحدات المتنقلة وخدمات القرب)، مع استمرار جهود تعميم التغطية الصحية من خلال توسيع فئات المستفيدين والعمل على توحيد النظام، وتعزيز المنظومة القانونية.
لكن هاته الجهود ظلت غير كافية مقابل التردي الكبير الذي يشهده القطاع في استجابته لحاجيات المواطنين، وخاصة في ظل بطء كبير لوتيرة الإنجاز، وهو ما أجج موجة من السخط على جميع المستويات، ظهرت في احتجاجات المواطنين وسجالات النقاش البرلماني، وكذا في سلسلة من الاحتجاجات القطاعية التي حركتها النقابات طيلة السنة الماضية ومازالت.
وحسب استطلاع “أفروبارومتر” (شتنبر 2025)، فإن 38 بالمائة فقط من المواطنين من ذوي الدخل المحدود يتمكنون من الوصول إلى الخدمات الصحية بسهولة، مقارنة بـ63 بالمائة من الطبقات الميسورة. وتزيد الفروقات المجالية من تفاقم هاته الفجوة بين المناطق الحضرية والعالم القروي الذي مازالت ساكنته تعاني من خصاص شديد في البنيات الصحية والخدمات.
ويعاني القطاع بشدة من ظاهرة الفساد التي مازالت تنخر المؤسسات الصحية، حيث تشير تقارير الهيئة الوطنية لمحاربة الفساد أن 68 بالمائة من مسؤولي القطاع الصحي يقرون بأن الفساد سبب من أسباب اختلال المنظومة الصحية، خصوصا في الصفقات العمومية لشراء واستيراد الأدوية، وكذا المعدات والتجهيزات الصحية (غياب الشفافية، سيطرة نفوذ شركات ومختبرات بعينها على القطاع)، وهو ما برز بقوة مؤخرا عند تفجر قضية صفقات الأدوية في البرلمان، على سبيل المثال لا الحصر، وملف شركات الحراسة. ويؤثر هذا الوضع على الطبيعة الكارثية للخدمات المقدمة للمواطنين والتي برزت في حادثة وفاة الأمهات عند الولادة في مستشفى الحسن الثاني بأكادير، مما أثار الغضب الشعبي ليس فقط لساكنة أكادير والنواحي، بل امتد إلى مستشفيات أخرى عبر التراب الوطني، واستدعى تحركا عاجلا في حينه للوزارة لاحتواء موجة الغضب تلك، تمثل في الإعلان عن إجراءات إدارية وتسريع وتيرة إنجاز عدد من المشاريع وإعادة النظر في الصفقات ذات الصلة.
فيما يتعلق بالموارد البشرية، يعرف القطاع تحسنا نسبيا من حيث العدد والأوضاع المادية، رغم استمرار التراجع مقارنة مع معايير منظمة الصحة العالمية، وكذا استمرار نزيف الهجرة ومغادرة القطاع العام إلى الخاص، وتراجع التكوين وتفاوت التوزيع حسب المناطق الترابية.
ومازال القطاع يعاني من تغول القطاع الخاص ومن أوضاع كارثية في القطاع العمومي، حيث تسجل عدد من التقارير الوطنية أن القطاع الخاص يمتص 80 بالمائة من حجم الإنفاق الوطني مقارنة مع 20 بالمائة فقط للقطاع العام. وإذا كانت المستشفيات والمراكز الصحية العمومية تعاني من أوضاع كارثية جراء افتقارها إلى الموارد البشرية الضرورية وغياب التجهيزات وتردي الخدمات، وهو الأمر الذي يتفوق فيه القطاع الخاص الذي يقدم للمرضى مستوى أفضل من الخدمات في جميع التخصصات، إلا أن هذا الأخير لا يخلو من مشاكل على رأسها أخطاء التشخيص والعلاج (الأخطاء الطبية والعمليات غير المبررة)، فضلا عن الارتفاع المهول للتكاليف التي يجد عدد كبير من المرضى أنفسهم عاجزين عن تحملها حتى بعد تعميم التغطية الصحية الإجبارية.
ويعد جانب التغطية الصحية ورشا يحظى بالأولوية، ورغم استمرار الجهود خلال 2025 لتعميم التغطية الصحية وتعزيز نظام التأمين الإجباري عن المرض، والتي مكنت من زيادة عدد المستفيدين بشكل مطرد (32 مليون مستفيدا سنة 2025)، ورغم المكاسب المهمة التي أصبح النظام يحققها نظام التأمين الإجباري عن المرض في المغرب، فإن هذا الأخير مازال يواجه بدوره عدة تحديات تعيق استفادة المواطنين من خدماته، وعلى رأس هذه التحديات التفاوت الكبير بين التعريفات المرجعية وواقع التكاليف، مما يؤثر على حجم التعويضات، فضلا عن المشاكل التدبيرية التي مازال يشهدها النظام فيما يتعلق بضبط المعطيات التعريفية والتوازنات اللازمة بين الفئات المستفيدة، والتي ظهرت في سنة 2025 من خلال صعوبات تنزيل نظام السجل الاجتماعي الموحد ومؤشر الاستفادة من الخدمات.
وفي سياق الإصلاحات الهيكلية الكبرى التي يشهدها المغرب، يعد إصلاح أنظمة التقاعد من أبرز التحديات التي تواجه المالية العمومية، في ظل عجز هيكلي مزمن تعاني منه بعض الصناديق، وارتفاع متوسط الأعمار، وتضاؤل نسبة المساهمين مقارنة بعدد المستفيدين. صعوبات كبيرة استمرت تفاعلاتها خلال سنة 2025، وبرزت كذلك من خلال احتجاجات النقابات وفئات الأجراء والمتقاعدين.
ومن الواضح أن هذه الصعوبات والتحديات، مجتمعة، تؤثر بشكل مباشر وبصفة عامة على وتيرة تفعيل مشروع الحماية الاجتماعية، وتضعف من فرص البلاد في تحسين مؤشراتها في مجال التغطية الصحية والرعاية الاجتماعية.
الفقر.. التشغيل.. والشباب.. واقع لا يرتفع
تفيد معطيات المندوبية السامية للتخطيط، ضمن المذكرة التي سبقت الإشارة إليها، أن 70.5 في المائة من الأسر المغربية توقعت، خلال الفصل الثالث من سنة 2025 دائما، ارتفاع معدلات البطالة، خلال السنة المقبلة، مقابل 14.1 في المائة رأت أنها ستستقر أو تنخفض.
وحسب تقرير حديث صادر عن المركز الإفريقي للدراسات الإستراتيجية والرقمنة، فإن السياسات الحكومية مازالت تفتقر إلى رؤية استراتيجية شاملة لدعم الشباب، حيث بلغ معدل البطالة الوطني 12.8%، ويصل إلى 35.8% بين الشباب و19.9% بين النساء. ويهيمن القطاع غير المهيكل على نسبة الثلثين من سوق العمالة، مع ما يعنيه ذلك من غياب للحماية الاجتماعية وظروف العمل اللائقة.
وفي الفئة العمرية 15-25 عاما، تشير بيانات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن أكثر من مليون و500 ألف شخص يعيشون حالة (NEET): لا في التعليم ولا العمل ولا التدريب.
ورغم تراجع عدد الفقراء إلى 2.5 مليون شخص في 2024 من 4 ملايين في 2014، تستمر الفروق العميقة بين المناطق، إذ تتركز معظم حالات الفقر في المناطق القروية.
وفي صفوف المتعلمين، فأن نسبة 35% فقط من خريجي التعليم العالي يعملون في مجال دراستهم، مقابل 40% في مجالات غير متصلة بدراستهم وتدريبهم، و25% يبقون في حالة بطالة مما يعكس ضعف ملاءمة الدراسة والتدريب الأكاديمي مع متطلبات سوق العمل.
وفي ظل التفاوت وعدم الاستقرار اللذين يشهدهما سوق التشغيل بالمغرب، تبرز مشاكل تتعلق كذلك بالحجم الكبير للتفاوتات بين الأجور والأوضاع المهنية للطبقة العاملة، زاد من حدتها ارتفاع مستوى المعيشة، مما صعد، خلال سنة 2025، من مطالب الرفع من الأجور في صفوف العديد من الفئات، حيث لم تتمكن الوعود الحكومية والزيادات القطاعية الهزيلة هنا وهناك من وضع حد للجمود الذي تعرف وضعية الأجور.
وارتباطا بحقوق العمال والموظفين دائما، شهدت السنة التي ودعناها بالأمس موجة احتجاج قوية على إقدام الحكومة على إقرار قانون الإضراب، والذي أعلنت الحكومة أنها تسعى من خلاله إلى “حماية العمال والشركات وتوسيع الحريات النقابية”.
وظهر التذمر الواسع للطبقة العاملة في مختلف القطاعات، خلال سنة 2025، كذلك، ضمن سلسلة من الاحتجاجات، سواء في صفوف الأجراء أو في أوساط موظفي قطاعات الوظيفة العمومية والجماعات الترابية، الصحة، المحاماة، الصحافة، التعليم، الصيادلة، الخدمات، مفتشي الشغل، العدول، فضلا عن سلسلة من الاحتجاجات في عدد من القطاعات الإنتاجية في مواجهة الاحتكار وسيطرة نفوذ اللوبيات.
كما برزت احتجاجات “جيل زد” كذلك كلحظة فارقة في السنة الماضية، أيقظت الوعي بمستوى الغضب الشبابي والشعبي من السياسات الحكومية في مجالات التشغيل والصحة والتعليم بصفة عامة.
قطاع التعليم.. سياسات مرتبكة ورهانات مؤجلة
شهدت ميزانية قطاع التعليم، بدورها، تطورا في السنوات الثلاث الأخيرة، إذ زادت من 69 مليار درهم في 2023 إلى 74 مليارا في 2024، ثم 86 مليارا في 2025، بما يمثل 12% من الميزانية العامة للحكومة, لكن هذا التطور لم ينعكس، حسب المحللين، على جودة التعليم وتوازن حظوظه ونتائجه بين المدرسة العمومية والتعليم الخاص من جهة، وبين العالم القروي والحضري من جهة ثانية.
واستمرت، خلال السنة الماضية، بوادر الأزمة الهيكيلية التي يعانيها القطاع منذ عقود، والمتمثلة أساسا في التفاوتات المجالية، خاصة في البنية التحتية، ومشاكل دعم الفئات الهشة والحد من الهدر المدرسي، ومشاكل الظروف المهنية والمادية والتكوين في هيئة التدريس، وتحديات المناهج والكتب الدراسية.
وعرفت السنة الماضية كذلك جدلا واسعا بشأن عدد من القوانين التنظيمية التي تؤطر القطاع، خاصة على مستوى التعليم العالي، واحتجاجات للطلبة والأساتذة، بما يؤشر لاستمرار ارتباك البرامج الحكومية في هذا المجال، ويزيد من حدة المطالب بسياسة واضحة وإصلاح بنيوي شامل، بناء، حسب المحللين على “رؤية وطنية تضع التعليم في قلب المشروع التنموي، وتعيد له اعتباره كرافعة حقيقية للعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص”.
إلغاء عيد الأضحى.. القرار الملكي الحكيم
يعد إلغاء احتفالات عيد الأضحى، من أبرز الأحداث الاجتماعية التي عرفتها سنة 2025. ففي 26 فبراير الماضي، أعلن جلالة الملك محمد السادس، في رسالة ملكية تلاها وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، عن إلغاء شعيرة ذبح الأضحية، في خطوة تعتبر الأولى من نوعها في عهده.
وكان وقع الأزمة الاقتصادية وسنوات الجفاف على وضعية القطيع الوطني والأوضاع الاجتماعية للمواطنين، سببا وجيها لهذا القرار الملكي، حيث أكد جلالته على أنه “أخذا بعين الاعتبار أن عيد الأضحى هو سنة مؤكدة مع الاستطاعة، فإن القيام بها في هذه الظروف الصعبة سيلحق ضررا محققا بفئات كبيرة من أبناء شعبنا، لاسيما ذوي الدخل المحدود”.
وأضاف جلالته: “من منطلق الأمانة المنوطة بنا، كأمير للمؤمنين والساهر الأمين على إقامة شعائر الدين وفق ما تتطلبه الضرورة والمصلحة الشرعية، وما يقتضيه واجبنا في رفع الحرج والضرر وإقامة التيسير، والتزاما بما ورد في قوله تعالى: “وما جعل عليكم في الدين من حرج”، فإننا نهيب بشعبنا العزيز إلى عدم القيام بشعيرة أضحية العيد لهذه السنة. وسنقوم إن شاء الله تعالى بذبح الأضحية نيابة عن شعبنا وسيرا على سنة جدنا المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، عندما ذبح كبشين وقال: “هذا لنفسي وهذا عن أمتي”.
وخلف القرار الملكي ارتياحا كبيرا واستجابة في صفوف المواطنين الذين أرهقتهم تكاليف الأزمة الاقتصادية المستمرة منذ سنوات. وفي نفس السياق اعتبرت المبادرة الملكية الحكيمة مهمة من أجل استرجاع القطيع الوطني لعافيته والاقتصاد الوطني لتوازنه. كما شكل القرار استجابة قوية للمطالب التي ارتفعت خلال السنوات الماضية من أجل وضع حد لجشع للمضاربين في القطاع و”شناقة” عيد الأضحى.
قضية المساواة وحقوق النساء والفتيات.. استمرار الفجوة
تميزت سنة 2025 بنوع من الجمود في المسطرة التشريعية بعلاقة مع قضايا النساء عموما ومشروع مدونة الأسرة خصوصا، مقابل استمرار النقاش المجتمعي سواء داخل المؤسسة التشريعية أو أنشطة المجتمع المدني وعلى مستوى وسائل الإعلام.
كما ارتفعت حدة الأصوات المطالبة بتدابير أكثر فعالية للحد من العنف ضد النساء، بجميع أشكاله، والذي مازالت معدلاته تشهد ارتفاعا مستمرا، مع تركيز على العنف الرقمي الذي بدأ يبرز إلى الواجهة كأحد أشكال العنف الأكثر تهديدا لسلامة النساء النفسية وحضورهن الاجتماعي.
وحافظ المغرب على رتبته في المؤشر العالمي للفجوة بين الجنسين لسنة 2025، حيث جاء في المركز 137 من أصل 148 دولة، بعد حصوله على رصيد 0.628 نقطة.
ودفعت الأوضاع الاجتماعية المتردية، عموما، بالنساء إلى الانخراط بقوة في الحركات الاحتجاجية والمطالبة بالحق في التنمية في عدد من مناطق المغرب، كما تصدرن الاحتجاجات الداعمة لحركة “جيل زد”، حيث تفيد التقارير أن النساء والفتيات لم يسلمن خلال تلك الاحتجاجات من العنف والتحرش والاعتقال، مما زاد من حجم الانتهاكات التي تطالهن.
وتؤكد تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي، على استمرار فجوة مؤشر المساواة بين الجنسين، الذي يقيس تطور التكافؤ بناء على أربعة مؤشرات رئيسية في تصنيف الدول، وهي المشاركة الاقتصادية والفرص، حيث حل المغرب، ضمن آخر تقارير المنتدى، في المركز 143 عالميا، ومؤشر التحصيل التعليمي، الذي حصلت فيه المملكة على المركز 114، ثم مؤشر الصحة والبقاء، الذي بوأ المغرب المركز 136 على هذا المستوى، وأخيرا مؤشر التمكين السياسي، الذي حلت فيه البلاد في المركز 91 برصيد 0.188 نقطة.
ويسجل المغرب أضعف أداء له في مجال المشاركة الاقتصادية، حيث لم يغلق سوى 40.6 في المائة من الفجوة، محتلا المرتبة 143 عالميا، ما يعكس استمرار ضعف مشاركة النساء في سوق العمل، وتدني معدلات تقلدهن المناصب القيادية واستمرار فجوة الدخل.
وفي المقابل، أحرز المغرب معدل إغلاق مرتفعا في مجال التحصيل العلمي بلغ 95.5 في المائة، محتلا المرتبة 114، وهو ما يدل على توازن كبير في فرص الالتحاق بالتعليم بين الجنسين في مختلف المستويات.
وبخصوص التمكين السياسي، أحرز المغرب 22.9 في المائة فقط من المساواة المرجوة، ليحل في المرتبة 91 عالميا، وهو ما يعكس تمثيلا نسائيا محدودا في مواقع القرار السياسي.
محاكمات مؤثري التفاهة.. بين المسؤولية والحرية
ظاهرة بدأت خلال سنة 2024 واستمرت بقوة في سنة 2025، هي تلك المتعلقة بما شهدته الساحة من اعتقالات ومتابعات قانونية في حق عدد من المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة موقع “تيك توك”، بتهم مختلفة بدءا من التشهير، خدش الحياء العام، التحريض على الفساد، مرورا بحيازة المخدرات، ووصولا إلى المتاجرة بالبشر. ومن أبرز الشخصيات التي تمت وما تزال متابعتها مثل “مولينكس، وآدم بنشقرون ووالدته، وإلياس المالكي، والمؤثرة سكينة بنجلون المعروفة بـ”صاحبة أغلى طلاق”.
وتزامنت هذه الموجة من المحاكمات مع نقاشات حول تنظيم المحتوى الرقمي، حيث ارتفعت المطالب بضرورة التأطير القانوني ومحاصرة مد التفاهة والتردي القيمي الذي أصبح مسيطرا على محتويات العديد من المؤثرين ممن دفعهم طلب الشهرة والمال إلى الانزلاق نحو ممارسات يمنعها القانون من قبيل التشهير، الاحتيال، التضليل، انتهاك الخصوصية، ونشر محتوى يتعارض مع القيم المجتمعية. وفي ذات الوقت، ارتكز النقاش على ضرورة الموازنة بين تحديات التطور الرقمي وبين احترام حقوق الأفراد ومباديء حرية الرأي والتعبير.


2025.. سنة أخرى من الفشل الحكومي
مصطفى السالكي
لا جرم أن حصيلة الحكومة على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية خلال سنة 2025 لا ترقى إلى مستوى ما كان يطمح له الشعب المغربي، بل لا ترقى حتي إلى ما كانت قد أعلنت عنه هذه الحكومة أمام البرلمان، وأن الميزة البارزة لعام نودعه هو الاحتقان الاجتماعي والسياسي الذي عرفه المشهد المغربي والذي يبقى مفتوحا على مزيد من الاحتقان خلال سنة 2026 .
فقد سجلت الحكومة نفس الفشل الذي راكمته طوال عهدتها على شتى الواجهات والمجالات. فشل اقتصادي، وفشل في مجال الحكامة والفساد وتضارب المصالح، وآخر في تقليص التفاوتات المجالية، وفي صون المرفق العمومي، واللائحة تطول…
إن ما يحتفظ به المغاربة في ذاكرتهم لسنة 2025 هو معاناتهم مع الغلاء الفاحش لمختلف المواد الأساسية وتردي الأوضاع الاجتماعية، وإعدام الطبقة المتوسطة، واتساع الاختلالات المجالية، وتضخم جيش العاطلين من الشباب، واتساع مجال الاحتقانات الاجتماعية.
إن سنة 2025 تبقى موشومة في سجل هذه الحكومة التي أغلقت كل الفضاءات وأفرغت المشهد السياسي من محتواه مقابل حمايتها لغزو المال الفاسد وتعميق الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية وعدم قدرتها على تنقية مناخ الأعمال وبناء اقتصاد قادر على التخفيف من معاناة المغاربة التي طال أمدها.
إن ما نجحت فيه هذه الحكومة هو استمرارها في نهج سياسة الآذان الصماء أمام كل الأصوات الداعية إلى الإصلاح والى إعطاء نفس ديمقراطي للفضاء السياسي انسجاما مع مقتضيات الدستور الذي أقره المغاربة سنة 2011 وانسجاما أيضا مع مخرجات النموذج التنموي الجديد الذي فضلت الحكومة وضعه في رفوف مكاتبها .
نعم. نودع سنة كانت عنوان حكومة راكمت الفشل الذي وثقته تقارير مؤسسات وطنية رسمية، وأثبته الواقع الميداني. فشل يؤكد أننا أمام حكومة فريدة من نوعها، شعارها التعنت واعتماد خطاب الاستعلاء، و التشبث بتصرفاتها المستفزة التي يرافقها دوما ادعائها إنجاز كل شيء بشكل غير مسبوق، وعلى إطلاقِ تصريحات مطمئنة لكنها جوفاء، وعلى مقارباتها التبريرية، وعلى تجاهلها لأصوات القوى الحية ومؤسسات الحكامة

شاهد أيضاً

الحكومة فشلت في إدماج الشباب والنساء في الدورة الاقتصادية

كشفت المذكرة الإخبارية للمندوبية السامية للتخطيط، حول وضعية سوق الشغل بالمغرب خلال سنة 2025، أنه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *